# حرائق الجزائر.. خسائر بشرية ومادية وبيئية ثقيلة وأسئلة مفتوحة حول أسباب الحرائق

> حرائق مدمرة خلّفت خسائر بشرية ومادية هائلة، وأبادت عائلات وشرّدت سكاناً ودمّرت أراضي ومواشي، فيما واجه الجزائريون الكارثة بملحمة تضامن واسعة.

- Publisher: Awras
- Language: Arabic
- Content type: Report / Investigation
- Author: [إلهام هواري](https://www.awras.com/author/ilham-houari/)
- Published: 2026-08-31T11:33:57+01:00
- Modified: 2026-08-31T11:33:59+01:00
- Canonical: https://www.awras.com/%d8%ad%d8%b1%d8%a7%d8%a6%d9%82-%d8%a7%d9%84%d8%ac%d8%b2%d8%a7%d8%a6%d8%b1-%d8%ae%d8%b3%d8%a7%d8%a6%d8%b1-%d8%a8%d8%b4%d8%b1%d9%8a%d8%a9-%d9%88%d9%85%d8%a7%d8%af%d9%8a%d8%a9-%d9%88%d8%a8%d9%8a%d8%a6/
- Categories: [تحقيقات وتقارير](https://www.awras.com/category/report/)

## المحتوى

في آخر أيام شهر أوت الحارة، لم تعد الجزائر تشبه نفسها، ففي الوقت الذي كانت فيه البلاد تستعد لوداع الصيف، كانت النيران تشكل في عدد من ولايات الشرق والوسط مشهدا ثقيلا من الدخان والرماد، وتدفع آلاف السكان إلى مغادرة منازلهم تحت وطأة اللهيب.

وفي جيجل تحديدا، لم تتوقف الخسائر عند حدود الغابات والأراضي الزراعية، بل وصلت إلى البيوت والعائلات والمواشي، وخلفت وراءها ضحايا وناجين يحملون آثار كارثة لم تنته بانطفاء النيران.

ففي القرى والمداشر المتضررة وأعالي الجبال الوعرة، لم يكن الناس يهربون من النار وحدها، بل كانوا يحاولون في الوقت نفسه إنقاذ ما تبقى من حياتهم، بعضهم خرج حاملا أطفاله فقط، فيما وجد آخرون أنفسهم أمام خيار مستحيل بين النجاة من الموت المحتم وترك ما بنوه طوال سنوات يلتهمه الحريق بكل مافيه.

كانت ساعات قليلة كافية لتحويل أراض كانت تعج بالأشجار والحيوانات والحياة إلى مساحات سوداء مفحمة، ولتحويل منازل إلى أماكن مهجورة، وبيوت عائلية إلى ذاكرة مثقلة بالفقد والألم.

ومن المشاهد الأليمة وبين مقاطع الفيديوهات التي نقلها أبناء المداشر وهم يواجهون ألسنة اللهب تيقن الجزائريون أن حرائق الغابات لم تكن هذه المرة بسبب حرارة موسم صيفي عابر، رغم أن الجزائر اعتادت تسجيل حرائق متكررة كل عام، فما حدث في الأيام الأخيرة اتخذ حجما إنسانيا وماديا وبيئيا بالغا، وامتد إلى ولايات عدة، بينها جيجل وبجاية وسكيكدة وعنابة وتيزي وزو والطارف وقسنطينة وولايات أخرى.

## جيجل تدفع الثمن الأثقل

كانت جيجل من أكثر الولايات التي تكبدت خسائر يصعب تعويضها في هذه المأساة، ففي جوهرة الساحل الجزائري لم تعد الخسارة تقاس فقط بعدد الهكتارات التي احترقت، بل بعدد العائلات التي فقدت أفرادا منها، وعدد البيوت التي غادرها أصحابها، وعدد الحظائر التي أصبحت فارغة بعد نفوق حيواناتها بصمت بعد أن حاصرتهم النيران من كل اتجاه وصوب.

فقد حصدت الحرائق حياة 73 شخصا على الأقل، فيما لا تزال الحصيلة غير نهائية، وسط ترجيحات بارتفاعها مع استمرار عمليات البحث وانتشال الضحايا في المناطق التي اجتاحتها النيران والتعرف عليهم.

وفي خضم هذه الكارثة، ظهرت قصص إنسانية تختصر حجم الألم الذي عاشه السكان وتعلقه بأراضيهم مهما كان الثمن، عائلات فقدت أكثر من فرد، وأطفال وجدوا أنفسهم أمام غياب أب أو أم، وفتاة أصبحت يتيمة بعدما أخذت النيران أحد أعمدة عائلتها، فيما انتهت قصة عروس وعريس قبل أن يبدأ الفرح الذي انتظراه.

وفي إحدى أكثر القصص قسوة، عادت أم إلى مواجهة النار لأنها لم تستطع أن تترك بقرتها وحدها أمام اللهيب، لأنه بالنسبة لها، لم تكن البقرة مجرد حيوان في حظيرة أو مصدر رزق فقط، وإنما جزء من حياتها لم تستطع أن تغادر دون محاولة إنقاذها.

وفي أماكن أخرى، عثر على شاب متفحما داخل منزله، بعدما لم تمنحه النيران فرصة للخروج.

وإلى جانب كل ما فقدوه، وجد الناجون أنفسهم أمام جرح آخر لا يقل قسوة، أجساد تحمل آثار الحروق، ومصابين يحتاجون إلى علاج ورعاية، ومستشفيات استقبلت أعدادا متزايدة من الحالات في وقت كانت فيه الكارثة تتسع يوما بعد آخر.

وليست هذه القصص سوى جزء من مشهد أوسع عاشته مناطق منكوبة، حيث وجد السكان أنفسهم أمام خسائر لا يمكن تعويضها كلها بالمال، لأن بعض ما فقدوه كان إنسانا، وبعضه الآخر كان سنوات من العمل والارتباط بالأرض.

## عائلات نجت وفقدت كل ما عداها

بالنسبة إلى كثير من السكان، لم يكن الخروج من مناطق الخطر يعني الذهاب لبر الأمان وانتهت المأساة، فهناك عائلات لم تملك الوقت لحزم حقائبها، لم تتمكن من أخذ وثائقها، ولا أموالها ولا ممتلكاتها، وبين ليلة وضحاها، وجد أشخاص كانوا يعيشون في منازلهم وسط عائلاتهم أنفسهم في مراكز إيواء، أو داخل مساجد أو مؤسسات تعليمية أو قاعات حفلات، يحملون ما استطاعوا إنقاذه فقط.

ولم تقتصر الخسائر على احتراق المنازل بما فيها فقط، ففي المناطق الريفية، كانت الأرض بالنسبة إلى السكان أكثر من مجرد مساحة زراعية، كانت مصدر دخلهم ورأس مالهم ومستقبل أبنائهم.

آلاف الهكتارات تضررت بفعل النيران، وتصدرت أشجار الزيتون قائمة الأشجار المحروقة، إلى جانب اللوز والتين وأشجار مثمرة أخرى.

وبتحول هذه الأشجار إلى رماد، لا يخسر الفلاح موسما واحدا فقط، بل يفقد سنوات يحتاجها حتى تستعيد الأرض قدرتها على الإنتاج.

وفي المناطق الغابية، طال اللهيب الصنوبر الحلبي والبلوط وأنواعا مختلفة من النباتات والأعشاب، تاركة مساحات واسعة مفحمة وفاقدة غطاءها النباتي.

## حيوانات ومواشٍ التهمتها النيران

وسط هذا الدمار، كانت الحيوانات من بين أكثر الكائنات تعرضا للخطر، بعدما امتدت النيران إلى الغابات والمناطق الرعوية، مخلفة نفوق أعداد من المواشي والحيوانات البرية والطيور، فيما وجدت أخرى نفسها تهرب وسط الدخان واللهيب بحثا عن مكان آمن.

> [عرض هذا المنشور على Instagram](https://www.instagram.com/p/Dcs021jnLje/?utm_source=ig_embed&utm_campaign=loading)‏‎[تمت مشاركة منشور بواسطة ‏‎Awras | أوراس‎‏ （@‏‎awrasmedia‎‏）](https://www.instagram.com/p/Dcs021jnLje/?utm_source=ig_embed&utm_campaign=loading)‎‏

وكانت بعض المشاهد القادمة من المناطق المتضررة تختصر قسوة الكارثة، حيوانات تفر من النيران، وأخرى تبحث عن الماء بعدما احترقت مصادر غذائها، وقردة تحاول حماية صغارها، بينما تركت الحرائق حيوانات أخرى نافقة وسط المساحات المحترقة.

أما المواشي التي نجت، فلم تنج من آثار الكارثة، بعدما احترقت المراعي والأعشاب والأشجار التي كانت توفر لها الغذاء.

وبالنسبة إلى أصحابها، لم يكن فقدان الأبقار والأغنام والماعز والخيول والدواجن خسارة في الثروة الحيوانية فقط، بل ضياعا لمصدر رزق ورأس مال جمعته عائلات ريفية على مدى سنوات.

## هبة شعبية وسط ألسنة اللهب

وسط هذا المشهد الثقيل، لم يكتف السكان بمحاولة النجاة، بل اختار كثير منهم البقاء في مواجهة النيران بما توفر لديهم من وسائل بسيطة.

أطفال وشباب وكبار سن، رجال ونساء، خرجوا لمساندة فرق الإطفاء والسكان، بعضهم يحمل دلاء صغيرة لا تتجاوز بضعة لترات من الماء، في محاولة لإيقاف نار تتقدم بسرعة أكبر بكثير من قدرتهم على الوصول إليها.

وفي الجبال، كانت فرق الحماية المدنية تخوض مواجهة أشد قسوة، وهي تتقدم وسط دخان كثيف ولهيب متصاعد، في ظروف تجعل التنفس والرؤية أكثر صعوبة، بينما تفرض التضاريس الوعرة تحديات إضافية على عمليات الإخماد.

وبالتوازي، تجندت وحدات الجيش الوطني الشعبي والدرك الوطني ومصالح الأمن والغابات والسلطات المحلية، للمشاركة في عمليات الإخماد والإجلاء وتأمين السكان والممتلكات.

## ملحمة التضامن الجزائري

بينما كانت فرق التدخل تواصل مواجهة النيران في جيجل وباقي المناطق المتضررة، كانت في ولايات أخرى معركة من نوع آخر قد بدأت.. معركة الكرامة للعائلات التي فقدت منازلها وممتلكاتها ومصادر رزقها.

من المدن والقرى، تحرك مواطنون أطفال ورجال ونساء وشباب وكبار سن وجمعيات ومجموعات تطوعية وصناع محتوى كلهم يد واحدة لجمع المواد الغذائية والمياه والأدوية والأغطية والملابس ومستلزمات الأطفال، قبل أن تتجه القوافل نحو المناطق المتضررة.

ووصلت إلى جيجل قوافل تضامنية قادمة من مختلف الولايات بينها بومرداس وباتنة وبجاية وأم البواقي، ولم تتوقف المبادرات عند العائلات، وشملت مستلزمات للحيوانات الناجية من النيران والتي أصبحت بدورها بحاجة إلى الماء والأعلاف والرعاية، بعدما احترقت مساحات الرعي ومصادر الغذاء.

## لماذا اتسعت رقعة الحرائق؟

تباينت الروايات والتفسيرات حول انتشار الحرائق، منها من فسر أنها لم تكن تواجه أرضا عادية، وجاءت موجة الحر الشديدة في وقت كانت فيه الأعشاب والنباتات قد فقدت جزءا كبيرا من رطوبتها، فتحولت المساحات الجافة إلى وقود سريع الاشتعال، وجعلت درجات الحرارة المرتفعة أي شرارة أكثر قدرة على إشعال محيطها.

كما زادت الرياح من تعقيد المشهد، إذ ساعدت على دفع ألسنة اللهب بسرعة ونقل الشرر والمواد المشتعلة إلى مناطق أخرى، لتظهر بؤر جديدة في وقت قصير، أما التضاريس الجبلية والوعرة التي تميز عددا من المناطق المتضررة، فقد صعبت وصول فرق الإطفاء إلى بعض النقاط وجعلت السيطرة على النيران أكثر تعقيداً.

لكن هذه الظروف تفسر سرعة انتشار الحريق، ولا تجيب بالضرورة عن السؤال الأهم وهو كيف بدأت الشرارة الأولى؟

فالحرارة وحدها لا تشعل الغابات، فيما يبقى العامل البشري أحد أبرز أسباب حرائق الغطاء النباتي، واحتمال الفعل المتعمد في هذه المأساة..

فقد رجح رئيس الجمهورية عبد المجيد تبون وجود يد إجرامية وراء الحرائق، مع الإقرار بدور العوامل الطبيعية في انتشارها، بينما أعلنت السلطات الأمنية فتح تحقيقات معمقة لكشف أسباب وملابسات اندلاع عدد من الحرائق بشكل متزامن في مناطق مختلفة.

## ما بعد الحرائق

اليوم، لا تحتاج المناطق المتضررة إلى التعاطف وحده، تحتاج العائلات التي فقدت مساكنها إلى العودة إلى حياة مستقرة.

ويحتاج الفلاحون الذين فقدوا حيواناتهم وأشجارهم إلى استعادة مصادر رزقهم.

ويحتاج الأطفال الذين عاشوا ساعات الرعب إلى رعاية تتجاوز الطعام والملابس.

وتحتاج العائلات التي فقدت أفرادا منها إلى وقت طويل حتى تندمل جراحها.

وتحتاج الأرض نفسها إلى سنوات حتى تستعيد لونها.

والأسئلة التي ستبقى مطروحة: كيف يجب أن تحمي الجزائر مواطنيها وغاباتها قبل أن تصل إليهم النيران بشكل أكثر فاعلية وتطور؟ وكيف نمنع تكرار هذا المشهد المؤلم؟ ومن يتحمل مسؤولية التقصير إن ثبت؟
