الرئيسية » مقالات الرأي » “143 طريق الصحراء” .. كاميرا فرحاني ترصد حياة امرأة أرهقتها تجاعيد الزمن

“143 طريق الصحراء” .. كاميرا فرحاني ترصد حياة امرأة أرهقتها تجاعيد الزمن

فيصل شيباني

خالتي مليكة امرأة جزائرية متقدمة في السن بملامح وجه ظلمه الزمن بتجاعيده، تجلس في “براكتها” على جنب الطريق السريع المؤدي إلى مدينة النعامة، المارة وعابرو السبيل يعرفونها، جعلوا محلها ملجأهم للأكل وشرب الشاي، لا تقدم سوى البيض والشاي والماء والسجائر،  تراقب بأعينها الطريق الممتد في الفضاء الصحراوي الشاسع، وراء تلك العيون ألف حكاية يتتبعها حسان فرحاني الإنسان قبل المخرج بكاميرته موثقا همومها وهواجسها وآمالها ويرصد وجودها في عالم ظالم مليء بالتناقضات.

قوة الرصد

“143 طريق الصحراء” الوثائقي الثاني للمخرج الجزائري الشاب حسان فرحاني المتوج بجائزة الجونة الفضية في مهرجان الجونة السينمائي الدولي في دورته الثالثة، يأتي هذا الفيلم ليؤكد قوة فرحاني في رصد مواضيع مهمة وطريقته الذكية في المعالجة السينمائية وزاوية الطرح بعد فيلمه الأول “في راسي رونبوان” الذي أكد ميلاد مخرج يمكنه تقديم الكثير للسينما الوثائقية العالمية وليس الجزائرية فقط بحكم تتويجه في مناسبات سينمائية كبيرة آخرها جائزتان في استحقاق سينمائي كبير هو مهرجان لوكارنو السينمائي الدولي.
العمل الوثائقي الأخير لفرحاني يرصد جوانب من حياة “خالتي مليكة” هذه العجوز الستينية التي لا تبرح مكانها، هذا المكان “مطعم صغير” يصبح جزءا من حياتها أو بالأحرى من روتينها في فضاء صحراوي قاس تؤثثه أصوات الشاحنات والسيارات، لا تجد من يؤنس وحدتها سوى قطة وكلبة وبعض المارة الذين اعتادوا على ارتياد مطعمها وأصبحت وجوههم مألوفة لديها، تتبادل معهم أطراف الحديث عن حالها وحالهم عن ضيق المكان عليها رغم شساعته لأن هاجسها في الحياة أصبح محطة الخدمات والبنزين التي ستفتتح عن قريب قبالة محلها، حيث أصبح أكبر مخاوفها أن تبقى وحيدة بلا سائل وتنتهي تجارتها البسيطة ومصدر رزقها الوحيد.

إستنطاق الوجوه والمكان

كاميرا فرحاني لا تغادر محل “خالتي مليكة” يرصد تحركاتها حواراتها مع زائري المكان، يترك الكاميرا مفتوحة حتى يضع “مليكة” في راحة تامة للتصرف بعفويتها، تخاطبه أحيانا “يا حسان ولدي ماذا تقول هذه الأجنبية باللغة الانجليزية اشرح لي فأنا لا أعرف إلا الفرنسية والعربية”، يتماهى فرحاني ويصبح جزءا من القصة، فحتى عندما تكون وحدها تلتفت إلى المخرج والكاميرا ويخيل إليك أحيانا أنها ممثلة بارعة وكأنها تؤدي دورا في فيلم روائي، ضحكتها تملأ المكان وتكسر وحشته، تنادي قطتها “ميمي” التي تعتبرها بمثابة ابنتها وعائلتها وليس مثل عائلتها الحقيقية التي تسرد بأنها ظلمتها كثيرا، ما عدا البعض منهم الذين يزورونها ويحاولون إعادتها إلى المنزل ولكنها ترفض ذلك بحكم شعورها بالانتماء لهذا المكان.
يصبح كل من يدخل المحل ليأكل أو يشرب الشاي جزءا من القصة، تتبادل خالتي مليكة أطراف الحديث مع زبائنها تسألهم أين يتوجهون، كلامها يوحي بأنها على دراية بما يجري على الأقل في محيطها القريب، يفرغ المكان وبخطواتها البطيئة تتحرك صوب الباب، عيونها تتجه نحو محطة الخدمات تسأل باستمرار متى ستدخل حيز الخدمة كلامها موجه لحارس المحطة لتجزم بأنه لن ينجح وسيترك المحطة بعد مدة قصيرة من العمل، تصمت كثيرا وهي تتأمل طريق الوحدة الإفريقية الذي آمن به الرئيس الراحل هواري بومدين.
يترك فرحاني الصورة تتكلم في أحايين كثيرة وتعكس تلك البيئة وملامح الوجوه الموجودة هناك، طبيعة المكان القاسية في صحراء شاسعة وفضاء مفتوح له دلالاته فالصحراء تعني الصفاء والصدق كما تعني كذلك التيه والقحط والضياع، فطبيعة المنطقة الأنسب للتعبير كبيئة غرائبية تعكس ما يدور وما تعيشه هذه المرأة التي تحاول رسم الابتسامة على وجهها رغم قهر الزمن وميلها للتنكيت في مشهد الصحفي “شوقي عماري” الذي يقف وراء شباك المحل المسيج ويستجديها لكي تخرجه من السجن وتوكل له محاميا، مشهد كوميدي يعكس عمق علاقتها مع  الصحفي الذي اعتبرته مثل ابنها، مشهد مضحك ومؤلم في نفس الوقت لأنها في النهاية وفي هذا السن تبحث عن حنان الطفل مع قسوة الحياة التي عاشتها.

فضاء مفتوح 

قسوة السنوات والوحدة جعلت “خالتي مليكة” تنهل تجارب حياتية استقتها من تعاملها مع البشر، كثرة الوجوه والاستماع للناس الذين التقتهم في محلها منهم الخيرون ومنهم الإرهابيون تقول “خالتي مليكة” :”الإرهابي بلعور كان يمر علي من هنا هو وجماعته وكان يوصيهم خيرا بي”، بداهة هذه العجوز يجعلها تكتشف من يقول الحقيقة ومن يكذب، ومشهد الممثل “سمير الحكيم” يوضح ذلك فحين دخل محلها وتبادل معها أطراف الحديث وسبب مروره من هناك والتحجج بالبحث عن شقيقه المفقود، وسخرت من كلامه وقالت بأنه يكذب، المشهد يعطي الانطباع الأولي أنه تمثيلي، ولكن الممثل تفاجأ بردة فعلها حين عرض الفيلم مؤكدا أنها لم تكن تدري أنه ممثل.
لعب حسان فرحاني على تفاصيل كثيرة في الفيلم خدمت العمل مجملا، ولكن في نفس الوقت أغفل عناصر أخرى كانت يمكن أن تضيف كثيرا لهذا الشريط أهمها التركيز على محطة الخدمات وكيف تشكل هاجسا أسياسيا لهذه المرأة، كما أن الاشتغال على الفضاء المفتوح كان مغيبا نوعا ما ولم يستثمر المخرج في الصحراء المفتوحة ومفارقاتها كفضاء للثبات والحركة، وقليلا ما فتح زاوية الكاميرا على الصحراء الشاسعة ووقع صوت الرياح.