الرئيسية » تحقيقات وتقارير » 55 سنة على رحيل الشيخ الإبراهيمي الذي توفي بالإقامة الجبرية

55 سنة على رحيل الشيخ الإبراهيمي الذي توفي بالإقامة الجبرية

قال الفيلسوف العالمي روجي غارودي: “عندما أطلق سراحي، بقيت في الجزائر مدة عام، وخلاله التقيت برجل عظيم، كان له أكبر الأثر في نفسي هو الزعيم الشيخ البشير الإبراهيمي، رئيس جمعية العلماء المسلمين الجزائريين، وقد قمت بزيارته، بصحبة عمّار أوزيجان (صاحب كتاب: الجهاد الأفضل)، وفي مقر الشيخ الإبراهيمي لاحظت صورة كبيرة لرجل مهيب. ولأول مرة أتعرف على صاحبها، عندما شرح لي الشيخ البشير الإبراهيمي جوانب من حياة الأمير عبد القادر الجزائري  كبطل محارب وعابد ناسك؛ بل كواحد من أعظم أبطال القرن التاسع عشر.

ويضيف غارودي: “ويعتبر هذا الدرس من الشيخ الإبراهيمي -بالنسبة لي- المرة الثانية التي ألتقي فيها بالإسلام.”

هذا ما قاله الفيلسوف روجي غارودي حول الشيخ البشير الإبراهيمي الذي تمر اليوم 55 سنة على رحيله، والذي يعد أحد أبرز علماء الجزائر دعوة وجهادا، كان واسع المعرفة بالفقه والتشريع وعلوم اللغة والأدب، ترأس جمعية العلماء المسلمين الجزائريين بعد وفاة مؤسسها العلامة عبد الحميد بن باديس، سخّر علمه وقلمه لخدمة وطنه وللدفاع عن اللغة العربية، وقد كانت مواقفه الجريئة سببا في وضعه تحت الإقامة الجبرية حتى وفاته.



الشيخ البشير الإبراهيمي ابن منطقة رأس الوادي الذي حفظ القرآن في التاسعة من عمره وحفظ ألفية ابن مالك وابن معط الجزائري، وألفيتي الحافظ العراقي في السير والأثر، وبعد وفاة عمه تولى تدريس طلبته وهو في الرابعة عشرة من عمره، وظل على ذلك حتى بلغ العشرين.

في أواخر 1911 هاجر إلى المدينة المنورة على إثر والده متخفيا، خوفا من بطش الاحتلال الفرنسي، ومر في طريقه بالقاهرة وحضر فيها عدة مجالس علم في الأزهر.

 بعد وصوله المدينة المنورة لازم كلا من الشيخ العزيز الوزير التونسي، والشيخ حسين أحمد الفيض أبادي الهندي، وعلى أيديهما استزاد من علم الحديث رواية ودراية، ومن علم التفسير على يد الشيخ إبراهيم الأسكوبي، وهناك التقى بالعلامة عبد الحميد بن باديس رائد النهضة الإصلاحية بالجزائر.

تبنى البشير الإبراهيمي التوجه الإسلامي الوطني، ودافع عن ذلك في مقالاته وكتبه وخطبه أيام الاستعمار وبعد الاستقلال، وقد ضاقت حكومة ما بعد الاستقلال بانتقاداته لتخليها عن المبادئ الإسلامية، وقررت عزله عن الناس ووضعه في الإقامة الجبرية.

عام 1917، خرج البشير الإبراهيمي رفقة والده باتجاه دمشق ولم يمض على إقامته شهر حتى انهالت عليه العروض للتدريس في المدارس الأهلية، كما عدي إلى إلقاء دروس بالجامع الأموي في رمضان.

عرض عليه الأمير فيصل بن الحسين تولي إدارة المعارف بالمدينة المنورة، لكنه رفض ذلك وقرر العودة إلى الجزائر عام 1920.

وفي 1931 تأسست جمعية العلماء المسلمين الجزائريين، وأصبح البشير الإبراهيمي نائبا لرئيسها العلامة عبد الحميد بن باديس، وفي عام 1933 اختار ولاية تلمسان في الغرب الجزائري لممارسة نشاطه، وفيها أنشأ مدرسة “دار الحديث” عام 1937.

 نفته السلطات الفرنسية عام 1940 إلى منطقة أفلو بالجنوب الغربي للجزائر، وبعد أسبوع من نفيه مات الشيخ بن باديس، وتم انتخابه رئيسا لجمعية العلماء المسلمين وتولى رئاستها عن بعد لمدة ثلاث سنوات، إلى حين إطلاق سراحه عام 1943.

في عام 1945 زُجّ بالإبراهيمي في السجن العسكري الفرنسي ولاقى ألوانا من التعذيب.

سافر إلى المشرق العربي عام 1952 سعيا لدى الحكومات العربية لقبول بعثات طلابية جزائرية وللتعريف بالقضية الجزائرية، وزار كلا من مصر والسعودية والعراق وسوريا والأردن والكويت وباكستان.

مع اندلاع ثورة التحرير الجزائرية في 1954، وجه نداء للشعب الجزائري لدعم الثورة المسلحة. وبعد الاستقلال اضطر للتقليل من نشاطه بسبب تدهور صحته وسياسة الحكومة التي حاصرت الشخصيات الإسلامية، وكان من أبرز نشاطاته إلقاء أول خطبة في جامع كتشاوة وسط العاصمة بعد الاستقلال.

في 16 أفريل 1964 أصدر بيانا انتقد فيه تخلي الحكومة عن المبادئ الإسلامية في عهد الرئيس أحمد بن بلة، فصدر قرار بوضعه في الإقامة الجبرية وبقي كذلك إلى أن وافته المنية.

ترك البشير الإبراهيمي العشرات من المؤلفات منها “شعب الإيمان”، و”حكمة مشروعية الزكاة في الإسلام” و”الاطراد والشذوذ في العربية”، و”أسرار الضمائر العربية” و”كاهنة الأوراس”، و”الأخلاق والفضائل”، وغيرها.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.