تدارس مجلس الوزراء برئاسة عبد المجيد تبون، أمس الإثنين، إجراء تعديل دستوري تقني، قبل أن يأمر الرئيس بتأجيله قصد تعميق الدراسة وضمان حماية هذا المكسب الانتخابي الذي يشكّل إحدى ركائز المسار الديمقراطي في البلاد.
وفتح الإجراء المرتقب العديد من التساؤلات لا سيما على منصات التواصل الاجتماعي، وتساءل الجزائريون حول ما إذا كان يعني ذلك مساسا بمواد هامة الدستور الجزائري، أم أن الأمر يتعلق بتعديل طفيف لتتماشى بعض المواد مع النصوص القانونية الجديدة التي تمت المصادقة عليها.
ما معنى تعديل دستوري تقني؟
يختلف التعديل التقني للدستور عن التعديل المتعارف عليه الذي يمس جوهر الدستور.
في هذا الصدد، يبرز الخبير الدستوري موسى بودهان، في تصريح خص به منصة “أوراس”، أن التعديل الدستوري وفقا لما جاء في الدستور لم يشر إلى طبيعة التعديل ولم يتحدث عن طبيعة التعديل (تقني أو جوهري)، بل تحدث عن التعديل الذي لا يمس الحقوق والحريات والتوازن بين السلطات، وتعديلات أخرى قد تمس، أي هناك تعديلا جوهريا وآخر مظهري.
ويرى محدثنا أن تأجيل التعديل يشير إلى حرص الرئيس تبون على أن يتوفر الأمن القانوني في أي تعديل سواءً خاص بالدستور أو بأي نص قانوني.
ويشمل الأمن القانوني، الوضوح، سهولة الفهم والتطبيق والعمير طويلا وتوفر الاستقرار التشريعي وألا يقبل الشروحات والتفاصيل والتفسيرات الخاطئة التي قد تكون مغرضة.
ولفت بودهان إلى أن التعديل الدستوري وشروطه وردت في الباب السادس من الدستور، والتي تنص المادة 219 منه على السماح لرئيس الجمهورية بأية مبادرة تتعلق بالتعديل الدستوري وتنص على أنه بعد أن يصوت المجلس الشعبي الوطني ومجلس الأمة على المبادرة بنفس الصيغة ووفقا للشروط نفسها التي تطبق على أي نص تشريعي آخر يعرض التعديل الدستوري على الشعب للتصويت عليه خلال الخمسين يوما الموالية لإقراره، على أن يقوم الرئيس بعدها بإصدار التعديل الدستوري الذي صادق عليه الشعب كأي قانون آخر.
ويبرز محدثنا أن البرلمان له صلاحيات ترتبط بالتعديل الدستوري وله حق أيضا باقتراح تعديل دستوري.
ويؤكد بودهان، أن الدستور يعتبر التعديل الدستوري ملغيا في حال رفضه الشعب ولا يمكن عرضه مجددا على الشعب خلال نفس الفترة التشريعية.
وأبرز بودهان، أن المحكمة الدستورية لديها دور هام أيضا فيما يتعلق بالتعديل الدستوري.
من جهته، يوضح بخاري محمود، وهو مساعد محضر قضائي سابق في محكمة أولاد جلال، ومتخصص في القانون الجنائي في اتصال مع منصة “أوراس”، أن مصطلح “التعديل الدستوري التقني” مصطلح دقيق في الفقه الدستوري، مبرزا أنه يحمل دلالات قانونية وإجرائية تختلف عن التعديلات الدستورية العميقة أو “التأسيسية”.
وأشار محمود بخاري، إلى أن تحديد المفهوم “تعديل دستوري تقني” في الفقه الدستوري، ينصرف عادة إلى التعديلات التي لا تمس جوهر النظام السياسي، ولا الحقوق والحريات الأساسية، ولا توازن السلطات، بل تهدف إلى سد الفراغات القانونية، كمعالجة نقص ظهر أثناء الممارسة العملية للنصوص، إلى جانب إزالة الغموض بما يشمل توضيح نصوص قد تحتمل أكثر من تأويل وتسبب تنازعاً في الاختصاصات.
إلى جانب الملاءمة التي تهدف إلى تحسين صياغة المواد لتتوافق مع التطورات المؤسساتية دون تغيير العقيدة الدستورية للدولة.
وبخصوص السند الدستوري لمبادرة “التعديل التقني”، يشير محدثنا إلى أنه وفقاً لدستور 2020، يمتلك رئيس الجمهورية الحق الحصري أو المشترك (حسب الحالة) في المبادرة بالتعديل.
واستدل بخاري، بالمادة 219 التي تنص صراحة على أن لرئيس الجمهورية حق المبادرة بالتعديل الدستوري.
وهنا يبرز الخبير القانوني، أن طرح المشروع في مجلس الوزراء هو تفعيل لهذا الحق السيادي لرئيس الجمهورية باعتباره “حامي الدستور ورئيس السلطة التنفيذية”.
ما المسار الإجرائي المتوقع؟
أوضح محمود بخاري، أن الدستور الجزائري يحدد مسارين للتعديل عن طريق الاستفتاء الشعبي أو البرلمان، لافتا إلى أن وصف التعديل بالتقني يرجح كفة المسار البرلماني، بدلاً من الاستفتاء الشعبي.
ويجوز لرئيس الجمهورية إصدار قانون التعديل الدستوري دون عرضه على الاستفتاء الشعبي إذا تحققت جملة من الشروط المتمثلة وفقا لبوخاري في:
- رأي المحكمة الدستورية: يجب أن تصدر المحكمة الدستورية رأياً معللاً يفيد بأن مشروع التعديل.
- لا يمس المبادئ العامة التي تحكم المجتمع الجزائري.
- لا يمس حقوق الإنسان والمواطن وحرياته.
- لا يمس التوازنات الأساسية للسلطات والمؤسسات الدستورية.
ويرى بخاري، أن وصف المشروع بـ “التقني” يشير بوضوح إلى نية الرئاسة في سلك مسار المادة 221 من الدستور أي الاكتفاء بمصادقة البرلمان، لِكَونِ التعديلات لا تمس جوهر العقد الاجتماعي، مما يوفر الوقت والجهد والمال مقارنة بتنظيم استفتاء شعبي.
وعلى صعيد آخر، أكد الخبير القانوني أن التعديل وإن كان تقنيا، فهو مقيد بالمادة 223 من الدستور لما يسمى بالمواد الصماء، والتي تحظر أي تعديل يمس:
- الطابع الجمهوري للدولة.
- الطابع الديمقراطي.
- الإسلام دين الدولة.
- العربية لغة وطنية ورسمية.
- الأمازيغية لغة وطنية ورسمية.
- سلامة التراب الوطني ووحدته.
أسباب التعديل وتأجيله
أبرز الخبير الدستوري موسى بودهان، أن الرئيس عبد المجيد تبون أراد تعزيز السلطة الوطنية المستقلة للانتخابات ولم يجد أمامه سوى التعديل التقني للدستور الذي يمس جانبا من الجوانب فقط، كتعديل جزئي فقط، يجعل باقي المؤسسات والهيئات في خدمة ومساعدة السلطة الوطنية المستقلة للانتخابات، ما يفضي عن عملية انتخابية نزيهة.
وأضاف: “التعديل الدستوري المرتقب يتعلق بصلاحيات السلطة الوطنية المستقلة للانتخابات، كون رئيس الجمهورية أشار إلى ذلك حين أجل التعديل”.
من جهته، يرى محمود بخاري أن السلطة لجأت لمثل هذه التعديلات بعد فترة وجيزة من إقرار دستور جديد (دستور نوفمبر 2020) لعدد من الأسباب التي تشمل:
- تصحيح الممارسة: بعد 5 سنوات تقريبا من تطبيق دستور 2020، قد ظهرت صعوبات إجرائية يمكن أن نخصص لها قسما آخر.
- المرونة: إضفاء مرونة على بعض الآجال الدستورية.
- الانسجام: إزالة أي تعارض لفظي أو إجرائي بين مواد الدستور المختلفة.
من جهته، يرى بلهادي عيسى، الأمين العام لحزب جبهة الحكم الراشد، أن أمر رئيس الجمهورية بتأجيل التعديل التقني للدستور يندرج ضمن ممارسة مشروعة لسلطته التقديرية الدستورية، ويُفهم لا باعتباره تراجعًا عن مسار الإصلاح، بل خيارًا “سياديًا واعيًا” يرمي إلى تعميق الدراسة والتريث المؤسسي، بما يضمن الحفاظ على استقرار النص الدستوري وصون روحه.
وأشار بلهادي عيسى، إلى أن الفقه الدستوري المستقر يقرّ بأن التعديلات، ولو كانت تقنية، متى تعلقت بهياكل سيادية أو بحقوق سياسية أساسية، وجب إخضاعها لأقصى درجات التمحيص والتقدير.
واعتبر السياسي ذاته، أن هذه الخطوة تعزز المكسب الديمقراطي الانتخابي الذي تجسده السلطة الوطنية المستقلة للانتخابات، باعتبارها إحدى أهم ثمار الإصلاح الدستوري، وتجسيدًا عمليًا لمبدأ سيادة الشعب ونزاهة التعبير عن إرادته، رغم عدم كفايتها لتحقيق النزاهة وإضفاء المصداقية في غياب آلية سياسية لمرافقة ومراقبة العملية الانتخابية.
وتابع: “التريث في تعديل الإطار الدستوري المنظم لهذه السلطة قد يعكس حرص الدولة على تحصين المسار الانتخابي من أي تأويل أو مساس قد يُفهم على أنه انتقاص من استقلاليتها أو من الثقة الشعبية فيها.”









لا يوجد تعليقات بعد! كن أول المعلّقين