”انتزعت قنابلهم ووضعتها على خصري“.. بهذه الكلمات يروي المجاهد فريمهدي هاشمي أحداث معركة ”الكاف الأصفر“، وهو يشير إلى المساحات الشاسعة في المنطقة ذات التربة الصفراء التي جرت فيها وقائع المعركة التاريخية ضد جنود الاستعمار الفرنسي، وتحديدا وسط غابة فرقوق قرب مقـام ضريح سيدي دحو على بعد 15 كلم تقريبا شمال مدينة معسكر.

تعود أحداث معركة ”الكاف الأصفر“ إلى يوم 21 فيفري 1957، وفي ذكراها اليوم نسترجع بسالة المجاهدين الجزائريين آنذاك؛ فقد تمركزت في المنطقة السالف ذكرها كتيبة لجيش التحرير الوطني تتكون من 75 مجاهدا يقودهم الشهيد ناصري محمد المدعو نصر الدين، ويقتصر سلاحهم على بنادق الصيد والأسلحة البيضاء باستثناء ثمانية أسلحة حربية كانت بحوزة البعض منهم.

وفي ذلك اليوم، قرر جيش الاستعمار الفرنسي محاصرة كتيبة جيش التحرير، فأجرى تمشيطا واسعا لجبال فرقوق بمرتفعات بني شقران التابعة لبلدية المامونية، في عملية استمرت ليوم كامل، لكن محاولته باءت بالفشل ولم يعثر على أثر للكتيبة، ما يوحي إلى يقظة المجاهدين الجزائريين وقدراتهم الاستراتيجية في المناورة والتخفي عن العدو.

وبينما شرعت قوات الاحتلال الفرنسي الانسحاب من منطقة ”الكاف الأصفر“، تأخر فيلق من عناصر اللفيف الأجنبي عن بقية الجنود، وفجأة صادف أحد مجاهدي الكتيبة الذي وجد في صوت رصاصه رسالة تُبلغ رفاقه باندلاع المواجهة.

في الأثناء، طوق مجاهدو الكتيبة جنود قوات الاحتلال وسدوا عنهم منافذ الهروب داخل أحد شعاب وادي ”فرقوق“ القريب من ”الكاف الأصفر“، لتُسطر بطولة تاريخية استمرت نحو ساعتين استشهد على إثرها المجاهد سي أحمد فرطاسة، ورايس بحري الزين، الذي اغتاله سلاح العدو وهو أسيرا لديه، كما أصيب المجاهد حضرية عبد القادر بجروح في رجليه.

في المقابل، تكبد جنود العدو خسائر جسيمة تمثلت في سقوط قتلى بصفوفهم أغلبهم راحوا ضحية نيران صديقة، فضلا عن فشلهم في حماية ذخائرهم التي استولى عليها المجاهدون لدعم مخزونهم القتالي في المعارك ضد الاستعمار الفرنسي.

انتهت المعركة بانسحاب جنود جيش التحرير من الساحة إلى دوار العمايرية، وسط إطلاق نار عشوائي وغير مجدٍ من قبل قوات الاحتلال.

وفي إطار صون الذاكرة الوطنية وإبراز قيمتها، تحيي مديرية المجاهدين وذوي الحقوق ذكرى جيش التحرير الوطني ومن بينهما ”معركة الكاف الأصفر“، عبر عرض أفلام، وفعاليات، وتنظيم خرجات ميدانية لفائدة التلاميذ والطلبة والمتكونين، لتعريفهم على مواقع تلك المواجهات واستحضار ما جسده المجاهدون من روح تضحية وفداء. لتظل معركة ”الكاف الأصفر“ رمزا حيا لبطولات رجال آمنوا بحرية وطنهم وقدموا الغالي والنفيس في سبيل استقلاله.