أثار بيان السلطة الوطنية المستقلة للانتخابات المتعلق بشروط الترشح للانتخابات التشريعية المقبلة موجة جدل داخل الساحة السياسية في الجزائر، بعد إقراره إلزام المنتخبين الحاليين بالترشح تحت راية الحزب الذي فازوا باسمه، وهو ما فتح باب التأويلات القانونية والسياسية بين مؤيد ومعارض.

مضمون القرار وخلفياته القانونية

يقضي القرار برفض ترشح أي منتخب يشغل حاليا عضوية في المجالس الشعبية المحلية أو الوطنية، إذا كان قد انتخب سابقا تحت رعاية حزب سياسي ويرغب في الترشح باسم حزب آخر، حيث يشترط عليه الترشح حصريا تحت نفس الغطاء الحزبي.

واستندت الهيئة في هذا التوجه إلى القانون العضوي المتعلق بنظام الانتخابات، لاسيما المادة 202، التي تنص على أن المنتخبين يحتسبون ضمن رصيد الحزب في الدائرة الانتخابية، ما يعني – وفق تفسيرها – ضرورة الحفاظ على نفس الانتماء الحزبي خلال الترشح الجديد.

ويأتي هذا القرار في سياق التحضير لانتخابات المجلس الشعبي الوطني المقررة في 2 جويلية 2026، والتي تم استدعاء هيئتها الناخبة بموجب مرسوم رئاسي صدر في أفريل الجاري.

الحد من “التجوال السياسي”

وتسعى السلطة المستقلة من خلال هذا الإجراء إلى وضع حد لظاهرة “التجوال السياسي”، التي تعرف بانتقال المنتخبين بين الأحزاب بعد فوزهم، وهي ظاهرة لطالما أثارت جدلا حول مصداقية العمل السياسي والانضباط الحزبي.

في هذا السياق، القيادي في حركة مجتمع السلم، ناصر حمدادوش، أن القرار يمثل خطوة في الاتجاه الصحيح نحو “أخلقة الحياة السياسية”، من خلال فرض الانضباط الحزبي وترسيخ الالتزام بالبرامج والخيارات التي انتخب على أساسها المترشحون.

وأوضح أن هذا الإجراء من شأنه تعزيز ثقة المواطنين في العملية الانتخابية، ومنع ما وصفه بالانفلات السياسي الذي يضعف الشرعية الشعبية.

كما أيد أحمد صادوق التوجه ذاته، معتبرا أن القرار يحافظ على الثقة التي يمنحها الناخبون للحزب، رغم إقراره بإمكانية خسارة بعض الأسماء البارزة التي قد ترغب في تغيير انتمائها.

ومن جهته، رحبت جبهة التحرير الوطني بالقرار، واعتبره وسيلة لوضع حد لممارسات تغيير الانتماء الحزبي بعد الفوز، والتي تؤدي – بحسبه – إلى تشتيت الأصوات وإضعاف الوزن الانتخابي للأحزاب.

مساس بالحريات وتجاوز للصلاحيات

في المقابل، أثار القرار انتقادات من بعض الفاعلين السياسيين الذين رأوا فيه تجاوزا للنصوص القانونية وتقييدا للحقوق الدستورية.

وفي هذا الإطار، اعتبر النائب بدر الدين دكاني أن السلطة المستقلة أخطأت في تفسير القانون، مشيرا إلى أن الدستور ينص على فقدان العهدة في حال “الترحال السياسي”، لكنه لا يمنع الترشح في انتخابات لاحقة تحت راية حزب آخر.

كما شكك في شرعية القرار، مؤكدا أن دور الهيئة يقتصر على تنظيم الانتخابات وضمان شفافيتها، وليس استحداث شروط جديدة أو تفسير النصوص بما يتجاوز صلاحياتها، وهو ما يندرج – حسب رأيه – ضمن اختصاص المحكمة الدستورية أو السلطة التشريعية.

ومن جهته أوضح النائب أحمد ربحي أن مبدأ منع “التجوال السياسي” قائم بالفعل في الدستور، خاصة بعد تعديل 2020 الذي ينص على إسقاط العهدة عن المنتخب الذي يغير انتماءه الحزبي.

غير أنه أشار إلى أن الإشكال الحقيقي يكمن في تطبيق هذه النصوص، خاصة على مستوى المجالس المحلية، حيث تستمر حالات تغيير الانتماء دون تفعيل فعلي للقوانين.

وأضاف أن خصوصية الانتخابات المحلية، التي تقوم في كثير من الأحيان على الأشخاص أكثر من البرامج، تجعل مسألة الانتماء الحزبي أكثر تعقيداً، ما يستدعي معالجة قانونية أكثر دقة.