انتقد رئيس حزب التجمع من أجل الثقافة والديمقراطية، عثمان معزوز، ما وصفه بـ “تنامي خطاب التخوين في الجزائر”، معتبراً أن عجز البعض عن مواجهة الأفكار بالحجة يدفعهم إلى اللجوء إلى اتهامات من قبيل “العمالة” و”الفرنسة” و”خدمة الخارج” و “المساس بالهوية”.

وقال معزوز، في منشور له، إن النقاش السياسي والثقافي يتحول، في مثل هذه الحالات، من مواجهة الأفكار إلى محاكمة النوايا، ومن البحث عن الحقيقة إلى توزيع “صكوك الوطنية”.

واعتبر رئيس الأرسيدي أن استدعاء فرنسا أصبح، في بعض الخطابات، جواباً جاهزاً على كل رأي لا ينسجم مع التصور السائد، مشيراً إلى أن الدفاع عن العلمانية أو تعليم الفرنسية أو الفلسفة قد يتحول سريعاً إلى “تهمة بالفرنكوفونية أو خدمة أجندة خارجية”.

وأكد أن الاستعمار الفرنسي حقيقة تاريخية وآثاره تستحق الدراسة والمعالجة، لكنه شدد على أنه لا يمكن تحويله إلى مفتاح سحري لتفسير كل خلاف سياسي وثقافي بعد أكثر من ستة عقود على الاستقلال.

كما حذر من تحول فرنسا إلى فزاعة تستخدم، بحسبه، لإسكات الجزائريين بعضهم بعضاً.

واعتبر أن اتهام مواطن بـ”بيع الوطن” لمجرد دفاعه عن الفلسفة أو تعليم لغة أجنبية أو تبنيه خياراً ثقافياً مختلفاً، لا يمثل دفاعاً عن الوطن، وإنما “افتقار للنقاش الوطني”

وقال إن الجزائر لا تُفقد بسبب اللغة أو الفلسفة أو العلمانية أو الفرنسية أو الإنجليزية، وإنما عندما تغيب الحرية، ويضعف التعليم، وتنهار المؤسسات، ويستشري الفساد، ويتحول المواطن إلى مجرد متلقٍ لا يملك حق الاختيار والمساءلة.

وطرح معزوز جملة من الأسئلة التي اعتبرها أكثر إلحاحاً من البحث عن “الخائن الجديد”، من بينها: لماذا تراجعت المدرسة؟ ولماذا يهاجر الشباب؟ ولماذا تتعطل التنمية؟ ولماذا تستمر البطالة والهشاشة الاجتماعية؟ ولماذا لا تخضع المؤسسات للمساءلة الفعلية؟

ويرى أن تحويل المجتمع إلى معسكرات متصارعة حول اللغة والهوية والماضي أسهل من مواجهة “فشل السياسات العامة”.

“العلمانية ليست فرنسة.. والعربية ليست بطاقة عضوية”

يرى المتحدث ذاته معزوز على أن العلمانية ليست جنسية ولا لغة ولا مشروعاً فرنسياً بالضرورة، وإنما تصور سياسي لعلاقة الدولة بالمعتقدات، يمكن الاختلاف معه ونقده والدفاع عن نماذج أخرى بشأنه.

وفي المقابل، قال إن العربية ملك لكل الجزائريين الذين ينتمون إليها، لكنها ليست بطاقة عضوية في الوطنية معتبراً أن الدفاع عنها يكون ببناء مدرسة تجعلها لغة علم وإبداع ومعرفة، لا بتحويلها إلى “متراس” لمهاجمة من يتعلم لغة أخرى.

وأضاف أن إتقان الجزائري للعربية والفرنسية والأمازيغية والإنجليزية لا يجعله أقل وطنية، معتبراً أن اللغات ليست قبائل سياسية.

“الهوية التي تحتاج عدواً لإثبات نفسها مأزومة”

في حديثه عن الهوية، اعتبر معزوز أن الجزائر بلد متعدد الروافد، تشكل عبر قرون من التاريخ، مشيراً إلى الأمازيغية والعربية والإسلام، إضافة إلى الآثار اللغوية والتعليمية والثقافية التي خلفتها التجربة الاستعمارية الفرنسية.

وقال إن الاعتراف بهذا التعقيد ليس تبعية لأحد، بل هو، بحسبه، “نضج وطني”، مضيفاً أن البلدان القوية لا تخاف من تاريخها ولا تحتاج إلى حذف جزء منه لإثبات وطنيتها.

واعتبر معزوز أن “الهوية التي تحتاج باستمرار إلى عدو كي تثبت نفسها هي هوية مأزومة”

“المؤامرة أصبحت بديلاً عن الدليل”

انتقد رئيس الأرسيدي أيضاً ما وصفه باللجوء إلى الإيحاءات بوجود جهات خارجية تحرك بعض التيارات السياسية والثقافية، بدل تقديم أدلة على ذلك.

وتساءل: إذا كانت بعض التيارات “بلا وزن شعبي” كما يقال، فمن أين يأتي نفوذها؟ وكيف يُمارس؟ وما الأدلة على الاتهامات الموجهة إليها؟

واعتبر أن السياسة الجادة لا تبدأ بالسؤال “من وراء هؤلاء؟”، بل بما يطرحونه من أفكار وبرامج ونتائج، وبالأدلة عند توجيه الاتهامات.

كما رفض معزوز، بحسب طرحه، توظيف الدين في تصنيف الخصوم السياسيين، مؤكداً أن الخلاف السياسي لا يتحول إلى حكم ديني بمجرد تغليفه بلغة دينية.

“الوطنية ليست مزاداً”

أكد رئيس “الأرسيدي” أن الوطنية ليست مسابقة في رفع الشعارات ولا مزاداً في كراهية فرنسا، كما أنها ليست شهادة يمنحها السياسيون لبعضهم البعض.

وقال إن من حق الجزائري أن يدافع عن العربية، ويعتز بالأمازيغية، ويتعلم الفرنسية والإنجليزية، ويدافع عن الفلسفة، ويختلف حول شكل الدولة، وينتقد السلطة والمعارضة والتيارات السياسية، دون أن يتحول اختلافه إلى دليل اتهام ضده.

واعتبر أن الجزائر بحاجة حسبه إلى “عقل سياسي جديد” يقوم على مواجهة الحجة بالحجة، والبرنامج بالبرنامج، والنتائج بالنتائج، بدل التخوين والمؤامرة وصناعة “أعداء الوطن” داخل الوطن.

وختم معزوز رسالته بالتأكيد على أن “الاختلاف ليس خيانة، واللغة ليست تهمة، والعلمانية ليست عمالة، والتفكير ليس مؤامرة، والوطنية ليست شهادة يمنحها أحد لأحد”.