الرئيسية » تحقيقات وتقارير » أسرار لا يعرفها الجزائريون عن البقلاوة

أسرار لا يعرفها الجزائريون عن البقلاوة

مع حلول شهر رمضان الكريم، لا تخلو موائد إفطار الجزائريين من الحلويات التقليدية على رأسها الزلابية، المقروط، قلب اللوز والبقلاوة، الأخيرة تلقب بسيدة الحلويات الرمضانية، ويزداد الإقبال عليها في الشهر الكريم، لكن هل تساءل أحدنا يوما عن أصلها وما سرّ تسميتها بـ”البقلاوة” (تلفظ أيضا “الباقلاوة”) وكيف جاءت إلى الجزائر؟ هذا الموضوع سيجيب عن هذه الأسئلة بشكل مستفيض.

ينتشر صنع “البقلاوة” في مختلف ولايات الوطن، وتكون تجارتها مربحة خلال شهر رمضان أو في المناسبات كالأعياد والأعراس ومختلف الأفراح.

أشكال البقلاوة وسرّ الطهي

تتعدد أشكال وأنواع صناعة البقلاوة في المجتمع الجزائري، بحيث توجد ذات الحجم الكبير والمستطيل ومنها الدائرية، والمثلثة والمربعة، في حين حشوها عبارة عن خليط يوضع بين عجينة رقية يتكون من اللوز والجوز والفول السوداني والفستق وغيرها من أنواع المكسرات، إضافة إلى السكر وماء الزهر والقرفة.

وتتراوح البقلاوة بين 5 و8 طبقات في الجزائر العاصمة، وبين 12 و 14 طبقة في قسنطينة، 7 منها في الأسفل و5 إلى 7 في الأعلى، وبينهما خليط الجوز واللوز والقرفة.

وبعد اكتمال الطهي، يُسكب عليها عسل ساخن، والبعض يستخدمون محل العسل شربات مصنوع من الماء وماء الزَّهر والسكر والمسك.

البقلاوة تركية أم آشورية أم يونانية؟

تتضارب الروايات حول أصل “البقلاوة”، حيث يرى البعض أنّ أصلها تركي (عثماني) ويرى أخرون أنّها من اليونان والبعض الأخر يقول أنّ البقلاوة رأت النور عند الأشوريين في العراق.

الكاتب والباحث في التراث الأندلسي والجزائري فوزي سعد الله نشر سابقا على صفحته الرسمية بالفيسبوك مقالا مطولا عن “البقلاوة” تحت عنوان “كَشْفُ القِنَاع عن أسْرَارِ البَاقْلاَوَة سَيِّدّةِ الحُلْوَى في كُلِّ البِقَاعِ والأَصْقَاع”.

يقول سعد الله : “قبل أكثر من 2500 سنة، حينما كان الآشوريون، أجداد أهل العراق التي نَعرِف اليوم، يَطبخون على ضفاف نهريْ دجلة والفرات، في عهد آشُورْبَانِيبَالْ ومَن تَلَوْهُ، مِن رقائق العجين المَحشُوَّة بِخليطٍ من الفواكه المُجَفَّفة والمُكسّرات حُلوًى في غاية الطّيب واللذة يَسقونها بالعسَل، ما كانوا يَتخيَّلون أنَّها ستدوم وتُعمِّر إلى غاية عِراق صَدَّام حسين ونوري المالكي والعَبَّادي وفوضى “الرَّبيع العربي”.

من دجلة والفرات إلى الجزائر

ويضيف سعد الله: “وما تَصَوَّروا أيضًا أن مِثلما كانوا هم يطبخونها على ضفاف دجلة والفرات في الاحتفالات الروحية والأفراح الدنيوية، ستُطبَخ بعد آلاف السنين في الجزائر على ضفاف وادي ماء الزَّعفران في مدينة القُلَيْعَة، وعلى أطراف وادي الرُّمَّان في البُلَيْدَة، وفوق الصُّخور المُطِلَّة على وادي الرِّمَال في قسنطينة، وفي الديار والقصور المُشرِفة على البحر في مدينة الجزائر، وفي أغلب المُدُن والبلدات الشمالية الجزائرية الممتدة مِن عَنَّابَة إلى شَرْشَال والغَزَوَات وتِلِمْسَان. ”

” ولاَ تَخَيَّل هؤلاء الآشوريون أن تلك الحلوى العتيقة التاريخية ستكتسِح كلَّ أطرافِ العالَم بِقارَّاته الخَمْس، ولا خلدَ بذهنهم أن ضحايا القومية المُفرِطة، الغبِيَّة، مِن بَنِي البَشَر سيَتَنازَعُونَها ويتخاصمون بشأنها ويَدَّعي كلُّ طرفٍ وبِعصبية غير مفهومة أنه هو والِدها الأوحَد ومُنْجِبُها.”. حسب سعد الله.

هل الآشوريين أول من اكتشف البقلاوة؟

 مثلما الآشوريون، هم أسلاف أهل العراق، يذكر سعد الله أنّ حلواهم هذه إذن هي السَّلَف الأقدم المعروف تاريخيًا للحلوى المُصنَّفة اليوم ضِمن الأطْعمة العَشر الأكثر شُهرةً في العالَم المعروفة منذ نحو 5 قرون على الأقل بالـ: بَاقْلاَوَة. نعم، الآشوريون، في حدود ما تَيَسَّرَ مِن معلومات حتى الآن، هُم الأسبق في تاريخ البشرية إلى صُنْع حُلوى تُشبِه الباقلاوة، وما جاء بعدها ليس سوى اجتهادات في التفاصيل الخاصة بنوعية العجين ومحتوى الحَشْو.

باقْلاَوَة الجَزَائِر: من الجوز واللّوز إلى الفُسْتق والفول السوداني

 وفق المتحدث “أنه في الجزائر حيث لا باقلاوة تَعْلُو على الباقلاوة القُسَنْطِينِيَّة النموذجية، يَجْرِي حَشْوُهَا بخليط من الجوز واللوز والسُّكَّر، وكذلك بالقرفة، مثلما يفعل الأرمنيون، وبماء الزهر حيث يُوضع هذا الخليط بين طبقات من العجين رقيقة كالورق يُختلَف في عددها من منطقة إلى أخرى.

أصل البقلاوة الجزائرية عثماني؟

وعن باقلاوة قسنطينة، يرى سعد الله أنّها تُعتبَر المعيارية في الجزائر، وليست سوى إحدى بقايا الإرث العثماني في البلاد حيث كل الشهادات والروايات تؤكد وبإجماعٍ لا يُشق أنها جاءتنا وجاءت إلى كل الجزائر مع العثمانيين الذين حلّوا بالبلاد في بداية القرن 16م.

وبحسب صاحب كتاب “الشتات الأندلسي” أنّ عِبارة الـ”باقلاوة” ما هي سوى اسم سلطانة ماهرة في فنون الطبخ وصناعة الحلوى كانت تُدعى باقلاوة ابتكرتها بتطويرها لحلوى الجُلاَّش القريبة جدا من الباقلاوة الحالية إكرامًا لزوجها السلطان فحملتْ هذه الحلوى اسمَها إلى اليوم.

لكن يقول آخرون ما هذه الرواية إلا أسطورة وإن كلمة “باقلاوة” تركية قديمة تعود على الأرجح إلى العهد العثماني، وقد انتشر استخدامها في كل رحاب العالم التي انفتحت على هذه الحلوى ولو ببعض التكييف لتيسير النطق المحلي.

ويَرُدُّ غيرُهم بالقول إن هذه الكلمة منغولية الأصل ومشتقَّة من “بايْلاو” ومعناها الرَّبط واللَّف، فيما يرُد آخرون بأن هذه العبارة المنغولية ذاتها تحوير لكلمة “باقلاوة” العثمانية.

وينسبها آخرون إلى كلمة “بَاقْلاَبَا” الفارسية مدعين بإمكانية أن تكون هي الأصل. والمفاجأة الأكبر تأتي من قاموس هانز فير الذي يلح على أن أصل الكلمة عربي من البقل والبقوليات نظرا لحشو الباقلاوة عند البعض بالفول الفستق.

وتساءل سعد الله قائلا: مَن نُصدِّق ومَن نُكَذِّب؟ قبل أن يجيب “نترك الحسم لِمن سيأتون بعدنا والذين قد يكتشفون في المستقبل وثائق ومعلومات جديدة كفيلة بوضع حدٍّ لهذا النزاع الدولي اللغوي والغذائي في آن واحد”.

ولم يخف المتحدث أنّ “اليونانيون يدّعون أنّ ما الباقلاوة الحالية العثمانية إلا نسخة معدَّلة في بعض التفاصيل الطفيفة لحلوى البْلاَسِينْتَا التي عُرفتْ عند البيزنطيين الذين أخذوها عن الرومان والذين ورثوها بدورهم من بين ما ورثوا عن حضارة اليونان… لكن، ودون إنكار للتشابه، لا يحب دعاة هذا الطرح عادةً مواصلة التنقيب إلى أبْعد من عهد اليونانيين الذين تأثروا بعمقٍ بحضارة آشور وبابل في وادي الرافدين بالعراق الحالية وبحضارة الفُرْس، بما في ذلك فنون الطبخ.

ومعروف تاريخيا أن فنون الطبخ التي ازدهرت في الحضارات الشرقية القديمة كانت تنتقل بكثافة إلى اليونان والرومان والبيزنطيين عن طريق التجار والرحالة والطباخين المستقدَمين من هذه المناطق، بما فيها الهند، مثلما كانت تفعل إحدى زوجات ملك من الملوك البيزنطيين.

واعتبر الباحث أنّه بعيدا عن هذه النزاعات، ما لا يختلف حوله اثنان هو أن الباقلاوة انتشرت عبر العالم مع انتشار الثقافة العثمانية الإسلامية في أوج توسُّع وازدهار الإمبراطورية العثمانية وقدرتها على صهر جميع الثقافات التي خضعت لسلطتها.

 البقلاوة في اللغة الإنجليزية المكتوبة

 وهكذا، تمددت هذه الحلوى إلى بلدان أوروبا الغربية التي بدأت تنفتح عليها في المطابخ الملوكية والإقطاعية كما في الآداب والقواميس. وكان يجب الانتظار إلى غاية 1650م لنصادف أول ذِكر للباقلاوة في اللغة الإنجليزية المكتوبة، وفق سعد الله.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.