الرئيسية » مقالات الرأي » تقرير بنيامين ستورا.. وجهة نظر قد لا تحوز على الإجماع

تقرير بنيامين ستورا.. وجهة نظر قد لا تحوز على الإجماع

تقرير بنيامين سطورا.. وجهة نظر قد لا تحوز على الاجماع

في بحر شهر جويلية من عام 2020، “كشف رئيس الجمهورية، عبد المجيد تبون عن تعيين المستشار لدى رئاسة الجمهورية المكلف بالأرشيف الوطني والذاكرة الوطنية عبد المجيد شيخي ممثلا عن الجانب الجزائري في العمل الجاري مع الدولة الفرنسية حول الملفات المتعلقة بالذاكرة الوطنية واسترجاع الأرشيف الوطني” حسب ما أكدته وكالة الأنباء الجزائرية على موقعها. وقد تم تعيين المؤرخ الفرنسي بنيامين ستورا من الجانب الفرنسي.

وعليه فقد سلم ستورا تقريره “لمصالحة الذاكرات” للرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، يوم الأربعاء المنصرم وسط جدال على ضفتي بحر المتوسط، وخذلان من الجانب الجزائري الذي يرى فيه تكريسا لمبدأ المساواة بين الضحية والجلاد، وتحفّظ النُخب الفرنسية بكل أطيافها، وانتقاده من جهة اليمين المحافظ واليمين المتطرف، لما يراه صفعة في خد النرجسية الفرنسية التي ما زالت تؤمن بالجانب الإيجابي للاستعمار.

يجب التنويه أن هذا التقرير نابع من الجانب الفرنسي، وبالتالي كان منتظرا ألا يخدش الضمير الجمعي الفرنسي الذي يتناسى ويحاول جاهدا أن يتجاهل ويخفي مآسي 350 سنة من العبودية و150 سنة من الاستعمار الذي طال القارة الإفريقية برمتها، وعلينا الآن انتظار عما سيتمخض من التقرير الذي سيسلمه الأستاذ شيخي لرئيس الجمهورية عبد المجيد تبون.

محتوى التقرير بين الشمول والهوامش

لقد سلط المؤرخ بنيامين ستورا في تقريره على بعض النقاط وليس كلها، والتي تشكل محل نزاع بين الطرفين الجزائري و الفرنسي، وتهدف هذه المقاربة حسب المؤرخ ستورا إلى إيجاد توافق أكبر في وجهات النظر، ونزع فتيل الخلاف حول الغموض الذي يشوب هذه القضايا، ومن أهمها استرجاع بعض المعالم التاريخية للشعب الجزائري كسيف الأمير عبد القادر ومدفع بابا مرزوق (La consulaire) الذي تم  مصادرته وتم تشييده كنصب تذكاري في الميناء العسكري بمدينة “بريست” الفرنسية، وكل ذلك بعد تشكيل لجان تشاور وتفكير لمناقشة الترتيبات والمسوغات القانونية والتقنية رغم أن قضية استرجاع هذه المعالم لم تكن محل نقاش تاريخي وإنما تدخل في إطار نزاع قانوني على الدولة الجزائرية المطالبة بها في المحاكم أو إقناع السلطات الفرنسية بإرجاعها إلى أصحابها.

قضية أخرى أثيرت في التقرير ذاته، هي قضية جرد وقائع قتلى حرب التحرير سواء بإصدار دليل المفقودين بما فيهم الجزائريين والأوربيين وكذا المحكوم عليهم بالإعدام مواصلة العمل المشترك فيما يتعلق بمواقع التجارب النووية في الجزائر ونتائجها وأماكن وضع الألغام على الحدود.

هذه القضية معضلة حقيقية ومعقدة جدا لأن القوانين الجنائية الدولية لا تسقط أبدا الجرائم بالتقادم، وإذا أردنا الخوض في هذا الجرد يجب أن يشمل كل محطات التاريخ الاستعماري في الجزائر، من وقائع الاجتياح الفرنسي في 1830 والسنوات التي تلتها من الزحف شرقا وغربا وجنوبا من تدمير للبنى التحتية وقتل جماعي وتجويع ومصادرة الأملاك وحملات الإبعاد والتهجير للعائلات الجزائرية نحو أقطار بعيدة، وإخماد المقاومة الجزائرية بأشنع الطرق.

وهنا نستحضر المحاولات اليائسة لبعض النواب في المجلس الشعبي الوطني وكذا بعض النخب للمطالبة باستصدار قانون يجرم الاستعمار ولكنها باءت كلها بالفشل، رغم أن البرلمان الفرنسي أصدر في تاريخه قوانين تجرم الفكر التدميري النازي والتشكيك في حقيقة المحرقة اليهودية ومجازر الأرمن في تركيا العثمانية.

لقد أثار التقرير أيضا قضية رفات الشهداء الجزائريين من القرن التاسع عشر المحفوظة في المتحف الوطني للتاريخ الطبيعي، وبغض النظر عما يطالب به التقرير، فهي قضية ذات سيادة، على الدولة الجزائرية الحرص بالوسائل القانونية والديبلوماسية المتاحة لاسترجاعها إلى أرض الوطن.

هناك من المقترحات التي تطالب بتشجيع البحث التاريخي من كلا الطرفين بإيجاد حلول ناجعة لمشكلة الأرشيف، ونحن نعلم أن من يعاني من عدم الوصول إلى الأرشيف هم الباحثون الجزائريون، بحيث أن هناك كميات لا تحصى من الأرشيف الذي يوثق للحقبة الاستعمارية ترفض السلطات الفرنسية الكشف عنها للباحثين بسبب احتوائها على أسرار الدولة، ونحن في هذا المقام نتذكر المساعي الجبارة التي كان بقوم بها العلامة مولود قاسم نايت بلقاسم حينما كان وزيرا للثقافة في الحكومة الجزائرية لاسترجاع الأرشيف الوطني من كل أصقاع المعمورة.

ماذا عن الذاكرة الثقافية؟

ما لفت انتباهي في تقرير ستورا هو عدم ورود ولا كلمة عن الأضرار التي لحقت بالثقافة، وما تعرض له الشعب الجزائري من طمس للهوية وهدم للبنى الثقافية الكائنة آنذاك، من دور للتعليم والمساجد والزوايا وتحريف للتاريخ والجغرافيا في المقررات المدرسية.

ففي كتابها المواجهات الثقافية في الجزائر الاستعمارية (Les affrontements culturels dans l’Algérie coloniale) توضح لنا إيفون توران  (Yvonne Turin)وبالدلائل التاريخية الحملات الشعواء التي قامت بها السلطات الاستعمارية في محو المعالم الثقافية واللغوية للجزائريين وتعويضها قسرا بالثقافة الفرنسية الهجينة، ومن ثم تم تحطيم البنى الاجتماعية والثقافية والسياسية والاقتصادية التي كانت تسيّر المجتمع الجزائري من خلال انتهاج سياسة الأرض المحروقة، وسن قوانين بالجملة لمصادرة الأملاك والحريات الفردية والجماعية وفرض نمط التسيير الإداري الامبراطوري ومنع استعمال اللغة العربية في التعليم رغم أن السلطات الاستعمارية قامت بتعليم الدارجة العربية في صفوف الجيش الاستعماري وفي المصالح الإدارية بغية التواصل كما ذهب إلى ذلك المؤرخ سعد الله في الجزء الثامن من كتابه التاريخ الجزائر الثقافي.

فقد ركز الاستعمار على المنظومة التعليمية الموجهة للمحظوظين من أبناء القياد والباشاغات من خلال التشويه والتحريف للحقائق واتباع سياسة التجهيل لأبناء الشعب البؤساء، وحتى في مجال الدراسات الإثنولوجية والانتروبولوجية فقد تم تأسيس معهد الدراسات الشرقية في جامعة الجزائرعام 1934، ومهد لهذا المشروع إميل ماسكراي (Emile Masqueray) الذي عكف على دراسة المجتمعات البربرية في الجزائر خلال النصف الثاني من القرن التاسع عشر، وقد زار في ذلك منطقة القبائل أين تم بناء عدد مهم من المدارس الفرنسية بعد إقناع وزير التربية الفرنسي جول فيري آنذاك بضرورة الاهتمام بالتربية في تلك المنطقة ومنطقة بني ميزاب التي زارها أيضا.

وتؤكد كريستيان شولي عاشور (Christiane Chaulet Achour) في كتابها الإيديولوجية الاستعمارية واللغة الفرنسية (Abécédaire en devenir; Idéologie coloniale et langue française) مدى غطرسة النظام الاستعماري في القتل والتنكيل بالشعب الجزائري طوال فترة الاحتلال، ومحاولاته المتكررة لطمس معالم الهوية الجزائرية، من خلال فرض اللغة الفرنسية وتحريف وتزييف الحقائق التاريخية من خلال البرامج التعليمية.

وتوضح لنا كريستيان عاشور أن نوايا فرنسا الاستعمارية هي كما أراد لها سياسيوها وعسكريوها إدخال الحضارة على المجتمع الجزائري “الهمجي”، ولكن سرعان ما انكشفت خيوط المؤامرة والأحقاد والضغائن، وكشرت الآلة التدميرية الاستعمارية عن أنيابها لترينا الويلات.

فألكسيس دي طوكفيل  (Alexis De Tocqueville)الذي يعد من منظري النزعة الكولونيالية، يكتب عن الديموقراطية الأمريكية ويشيد بها ويدعو آنذاك مسيحيو أوربا إلى بناء ديموقراطية حقيقية، وفيما يتعلق بالجزائر فإنه يدعو إلى المزيد من الاحتلال والهيمنة على الموارد والأراضي وإحكام السيطرة عليها، وذلك في كتابه الصادر عام 1841 تحت عنوان “أعمال حول الجزائر” (travaux sur l’Algérie)، وهذا ما نسميه النفاق الفكري والتمييزي الذي امتاز به الكثير من مفكري عصره.

فكارل ماركس (Karl Marx) المناهض للإمبريالية والهيمنة الاستعمارية وخلال تواجده في الجزائر ما بين شهر مارس و أفريل من سنة 1882، لم يعلق كثيرا عما رآه من ظلم وقهر اجتماعيين، ورغم اطلاعه على الأخبار والجرائد آنذاك، والتي كانت تكتب عن المقاومة الشعبية واستصدار القوانين المجحفة في حق الجزائريين، ففي إحدى رسائله التي كان يبعث بها إلى ابنته أليونور (Aléonor) فإنه اقتصر على تصفح يومية الكولون الصغير (Le petit colon)، ولم يكن كارل ماركس يعلق على هذه الأحداث مثل هزيمة مقاومة المقراني، الذي انتفض على الإدارة الاستعمارية ونظم مقاومة مسلحة تنديدا ورفضا لمرسوم كريميو (decret crémieux) الذي صوتت عليه الجمعية الوطنية الفرنسية في أيام 21 و 22 أكتوبر 1870، والذي بمقتضاه تعطى الجنسية الفرنسية للأهالي اليهود فقط، غير أن الأهالي المسلمين فيقعون تحت طائلة قانون الأنديجينا التمييزي.

نتساءل أيضا عن تهميش بعض المؤرخين الفرنسيين الذين لديهم نظرة أكثر عمقا وإنصافا لذاكرة الشعوب المستعمرة أمثال جيلبر مينيي (Gilbert Meynier) أو المؤرخ أوليفييه لاكور غران ميزون (Olivier La Cour Grandmaison)، دون أن ننسى المؤرخ الراحل جون لوك إينودي (Jean-Luc Einaudi)، الذي جمعتني به حصة على أمواج إذاعة فرنسية، أين كان مدافعا ومنافحا عن ذاكرة الشعوب المستعمرة مطالبا رد الاعتبار للحقائق التاريخية.

أمام هذه الحقائق التي تعتبر غيض من فيض، لا يسعنا إلا أن نقول أن ما ورد في تقرير المؤرخ بنيامين ستورا نقاط جانبية لذاكرة أمة تمتد على مدى قرن ونيف من الزمن من القتل والتجهيل والظلم بكل أشكاله، في انتظار من ينصف ذاكرة شعب بأكمله، أملا من أن تقرير الأستاذ شيخي سوف تكون مقاربته كلية وشاملة ومنصفة.

بقلم: د. إزدارن فيصل
باحث في علم الاجتماع السياسي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.