تمثل الحقول المشتركة بين الجزائر وليبيا إحدى أبرز الثروات الطاقوية في شمال إفريقيا، بالنظر إلى ما تختزنه من احتياطيات معتبرة من النفط والغاز داخل حوض غدامس.
ويبرز حقل الرار الجزائري وحقل الوفاء الليبي كنموذج لمكمن جيولوجي واحد يمتد عبر الحدود، ما يمنح البلدين فرصًا واعدة لتعزيز الإنتاج وتطوير التعاون في مجال الطاقة.
حوض غدامس.. احتياطيات ضخمة تعزز مكانة المنطقة
تشير بيانات موسوعة حقول النفط والغاز لمنصة “الطاقة المتخصصة ” إلى أن الحقول المشتركة بين الجزائر وليبيا تحتضن احتياطيات تُقدر بنحو 50 تريليون قدم مكعبة من الغاز الطبيعي و3.5 مليار برميل من النفط، ما يجعل حوض غدامس من أهم الأحواض الهيدروكربونية في المنطقة.
وأوضحت الدراسات الفنية أن حقل الرار الجزائري وحقل الوفاء الليبي يتصدران قائمة الحقول المشتركة بين البلدين، باعتبارهما يشكلان مكمنًا جيولوجيًا واحدًا يمتد عبر الحدود.
وفي هذا السياق، تستحوذ ليبيا على الجزء الأكبر من الامتداد الجغرافي للحوض، بينما تحتفظ الجزائر بمنطقة إنتاجية فعالة داخل ولاية إليزي، ما يعكس أهمية الحقول الحدودية للطرفين.
كما يضم الحوض تراكيب رسوبية نشطة تضمن استقرار معدلات إنتاج النفط والغاز، الأمر الذي جذب اهتمام العديد من الشركات الدولية الراغبة في الاستثمار بالمنطقة.
حقل الرار.. أحد أعمدة إنتاج الغاز في الجزائر
يُعد حقل الرار من أكبر وأقدم الحقول الغازية في الجزائر، حيث يقع بأقصى الجنوب الشرقي للبلاد قرب الحدود الليبية، واكتُشف سنة 1980 قبل أن يدخل مرحلة الإنتاج في العام نفسه.
وتُقدر احتياطيات الحقل بنحو 132 مليار متر مكعب من الغاز، أي ما يعادل 4.6 تريليون قدم مكعبة، فيما تتولى شركة سوناطراك إدارة جميع عملياته الإنتاجية.
وشهد الحقل منذ منتصف الثمانينيات توسعات متتالية شملت إنشاء وحدات للمعالجة وخطوط إنتاج جديدة بهدف رفع القدرات التشغيلية.
وفي عام 2017، أطلقت سوناطراك مشروعًا تطويريًا بالشراكة مع شركتي “بتروفاك” البريطانية و”بوناتي” الإيطالية، باستثمارات بلغت 64 مليار دينار جزائري، لتطوير منشآت فصل الغاز وضغطه.
وأسهمت هذه المشاريع في رفع مردودية الحقل بشكل ملحوظ، حيث بلغ إنتاجه اليومي خلال سنة 2022 نحو 724 مليون قدم مكعبة من الغاز، بما يعادل قرابة 5 بالمائة من إجمالي الإنتاج الوطني.
خطط للإنتاج طويل المدى
أشارت تقديرات منصة “الطاقة المتخصصة” إلى أن حقل الرار سيواصل الإنتاج حتى منتصف أربعينيات القرن الحالي بفضل برامج التطوير المستمرة في حوض إليزي.
وفي إطار تعزيز الأداء البيئي، منحت سوناطراك سنة 2022 عقدًا إضافيًا لشركة “بتروفاك” لتطوير منشآت المعالجة باستعمال تقنيات خفض انبعاثات الكربون.
ويأتي هذا التوجه انسجامًا مع رؤية الجزائر الرامية إلى تطوير صناعة الغاز وتقليص البصمة الكربونية للقطاع الطاقوي.
ومن جهة أخرى، يواصل الحقل لعب دور محوري في تأمين الإمدادات الغازية الوطنية ودعم صادرات الطاقة الجزائرية.
كما يعزز موقعه الحدودي أهميته الاستراتيجية باعتباره جزءًا من منظومة طاقوية مشتركة مع الجانب الليبي.
حقل الوفاء
على الجانب الليبي، يبرز حقل الوفاء الواقع جنوب غرب البلاد ضمن امتياز “NC-A16″، على مسافة تقارب 540 كيلومترًا من طرابلس و160 كيلومترًا من غدامس.
ويضم الحقل 37 بئرًا للنفط والغاز، فيما تتولى شركة مليتة للنفط والغاز إدارته بالشراكة بين المؤسسة الوطنية الليبية للنفط وشركة إيني الإيطالية.
وينتج الحقل نحو 37 ألف برميل من النفط يوميًا، إضافة إلى 22 ألف برميل مكافئ نفطي من الغاز الطبيعي.
كما تُنقل كميات الغاز المنتجة عبر خط أنابيب “غرين ستريم” الممتد لمسافة 520 كيلومترًا نحو الساحل الليبي، بطاقة تصل إلى 8 مليارات متر مكعب سنويًا.
ورغم هذه الإمكانات، ظل الحقل أقل تطورًا من نظيره الجزائري بسبب الاضطرابات السياسية التي شهدتها ليبيا خلال السنوات الماضية.
التكامل الطاقوي بين الرار والوفاء
يُمثل حقل الوفاء نقطة محورية في منظومة الطاقة الليبية، بالنظر إلى مكانته ضمن أكبر الحقول الغازية المنتجة في البلاد.
كما يشكل الحقل الرابط الجيولوجي الطبيعي مع حقل الرار الجزائري، ما يفتح المجال أمام مشاريع تكاملية في البنية التحتية وتبادل الخبرات التقنية.
وتُظهر المعطيات الجيولوجية مدى الترابط بين الحقلين، حيث يمتد كلاهما داخل حوض غدامس الذي يعبر الحدود بين البلدين.
وفي هذا الإطار، يرى مختصون أن إدارة هذه المكامن المشتركة تتطلب تنسيقًا دائمًا لتفادي أي خلافات مرتبطة باستغلال الموارد وتقاسم الإنتاج.
ويجسد الحقلان نموذجًا للتعاون الممكن في إدارة الثروات العابرة للحدود داخل منطقة شمال إفريقيا.
كيف تدار الحقول المشتركة؟
شكلت الحقول المشتركة بين الجزائر وليبيا لسنوات طويلة محور تحديات سياسية وتقنية، خاصة خلال فترة حكم الرئيس الليبي الراحل معمر القذافي.
واستمر الجمود بعد سنة 2011 نتيجة الانقسامات السياسية التي عرفتها ليبيا، وهو ما حدّ من استغلال الإمكانات الكاملة للمكامن الحدودية.
ولم تشهد العلاقات الطاقوية بين البلدين انفراجًا فعليًا إلا في جانفي 2018، عندما وقعت سوناطراك والمؤسسة الوطنية الليبية للنفط اتفاق إطار لتنظيم إدارة الحقلين الحدوديين وفقا للمصدرذاته.
وهدف الاتفاق إلى تحديث الدراسة المنجزة سنة 2006 من طرف شركة “ديغولير وماكنوتون” الأمريكية، ووضع أسس جديدة للتنسيق بين الجانبين.
وأثمر هذا الاتفاق عن رفع إنتاج الجزائر في حقل الرار إلى 24.7 مليون متر مكعب يوميًا من الغاز مقابل 16 مليون متر مكعب سابقًا، باستثمارات قاربت 545 مليون دولار.
نحو نموذج إقليمي للتعاون الطاقوي
أكدت نتائج الاتفاق الموقّع بين الطرفين إمكانية الوصول إلى حلول توافقية لإدارة الموارد الطبيعية المشتركة بطريقة تحقق مصالح البلدين.
كما يُنظر إلى تجربة الرار والوفاء باعتبارها نموذجًا قابلًا للتطبيق في مشاريع طاقوية حدودية أخرى داخل شمال إفريقيا.
وفي ظل الطلب المتزايد على الغاز الطبيعي، تبرز أهمية تعزيز التنسيق بين الجزائر وليبيا لضمان استغلال أمثل لهذه الثروات الاستراتيجية.
الجدير بالذكر أن حوض غدامس يظل من أكثر المناطق الواعدة في مجال الطاقة بالقارة الإفريقية، بفضل احتياطياته الضخمة وموقعه الجغرافي الاستراتيجي الذي يربط بين أهم الحقول المنتجة في الجزائر وليبيا.



لا يوجد تعليقات بعد! كن أول المعلّقين