ستجري رئيسة الوزراء الإيطالية جيورجيا ميلوني، اليوم الأربعاء، محادثات رفيعة المستوى مع رئيس الجمهورية عبد المجيد تبون، في زيارة تكتسي أهمية متزايدة في ظل اضطرابات غير مسبوقة تضرب أسواق الطاقة العالمية، واحتدام المنافسة الأوروبية على مصادر الغاز الآمنة.
سياق دولي مضطرب
تأتي هذه الزيارة في توقيت دقيق، إذ تسعى روما إلى تأمين إمدادات إضافية من الغاز الجزائري لتعويض النقص الناتج عن تعطل جزئي في صادرات الغاز الطبيعي المسال من قطر، عقب هجمات استهدفت منشآت التسييل في رأس لفان، والتي كانت تغطي نحو ثلث واردات إيطاليا من هذه المادة الحيوية خلال عام 2025.
كما تتزامن مع تصاعد التوترات في الشرق الأوسط، ما زاد من هشاشة سلاسل الإمداد ورفع منسوب القلق لدى الدول المستهلكة.
وكان الإعلان عن هذه الزيارة قد تم مطلع فيفري الماضي، عقب اتصال هاتفي بين الرئيس تبون ورئيسة الوزراء ميلوني، أي قبل اندلاع موجة التوترات الأخيرة، ما يعكس أن الشراكة بين البلدين ليست ظرفية، بل تندرج ضمن رؤية استراتيجية طويلة الأمد، قبل أن تمنحها التطورات الجيوسياسية بعدا أكثر إلحاحا.
وبحسب معطيات وكالة “نوفا” الإيطالية، فإن الجزائر تبرز مجددا كشريك طاقوي موثوق بالنسبة لإيطاليا، خاصة في ظل تراجع الإمدادات الروسية منذ اندلاع الحرب في أوكرانيا، وهو ما دفع الدول الأوروبية إلى إعادة رسم خريطة شركائها في مجال الطاقة، مع التركيز على الموردين القريبين جغرافيا والأكثر استقرارا سياسيا.
“ترانسميد”.. العمود الفقري لإمدادات الغاز
يعد خط أنابيب “ترانسميد” أحد الأعمدة الرئيسية لهذا التعاون، حيث نقل نحو 20.1 مليار متر مكعب من الغاز الجزائري إلى إيطاليا خلال 2025، ما يمثل قرابة 31% من إجمالي وارداتها.
ويستند هذا التدفق إلى عقود طويلة الأجل تربط بين شركتي إيني وسوناطراك، تمتد حتى عام 2027، ما يوفر قدرا من الاستقرار، رغم محدودية إمكانية زيادتها على المدى القصير
وفي المقابل، يكتسب الغاز الطبيعي المسال الجزائري أهمية متزايدة، بفضل مرونته وقدرته على التكيف مع الطلب الفوري.
فقد استقبلت إيطاليا 47 شحنة من الجزائر خلال 2025 من أصل 221 شحنة (حوالي 21%)، مقارنة بـ31 شحنة من أصل 150 شحنة في 2024، سعيا منها لتنويع مصادر الإمداد والتكيف مع أي اضطرابات محتملة في السوق العالمية.
مفاوضات مرتقبة حول الأسعار وزيادة الإمدادات
غير أن هذا التوجه لا يخلو من تحديات، إذ تدرس الجزائر ربط أي زيادات محتملة في صادراتها بإعادة التفاوض حول الأسعار، بما يتماشى مع المستويات الدولية التي تجاوزت 70 دولارا لكل ميغاواط ساعة في الأسواق الأوروبية.
وتشير التقديرات إلى إمكانية رفع الإمدادات بنسبة تتراوح بين 15 و20%، سواء عبر الأنابيب أو شحنات الغاز المسال، وهو ما يمنح الجزائر هامشا تفاوضيا أكبر في ظل الطلب الأوروبي المتزايد.
وعلى الصعيد الداخلي، تواجه إيطاليا ضغوطا متنامية نتيجة ارتفاع تكاليف الطاقة، خاصة وأن نحو 44% من الكهرباء فيها ينتج باستخدام الغاز، وهي نسبة تفوق المتوسط الأوروبي، ما يجعل اقتصادها أكثر عرضة لتقلبات الأسعار العالمية.
مبادلات تجارية قوية
لا تقتصر زيارة ميلوني على ملف الطاقة فقط، بل تمتد إلى تعزيز التعاون الاقتصادي والصناعي بين البلدين، حيث بلغ حجم التبادل التجاري بين الجزائر وإيطاليا نحو 12.98 مليار يورو في عام 2025.
وسجلت الصادرات الإيطالية نحو الجزائر قيمة 3.2 مليار يورو، محققة نموا بنسبة 13.8% مقارنة بعام 2024، مدفوعة أساسا بارتفاع صادرات منتجات تكرير النفط التي بلغت 435 مليون يورو بزيادة قوية، إلى جانب الآلات ذات الاستخدام العام التي وصلت إلى 428 مليون يورو، فضلا عن معدات صناعية أخرى بقيمة 347 مليون يورو.
وفي المقابل، بلغت الواردات الإيطالية من الجزائر نحو 9.78 مليار يورو، مسجلة تراجعا نسبيا، إلا أنها بقيت مهيمنة بطابعها الطاقوي، حيث شكل الغاز الطبيعي وحده حوالي 8.1 مليار يورو، أي ما يقارب 83% من إجمالي الواردات، وهو ما يؤكد المكانة المحورية للجزائر كمزود رئيسي للطاقة بالنسبة لإيطاليا.
كما شملت هذه الواردات منتجات تكرير النفط بقيمة 835 مليون يورو والنفط الخام بنحو 472 مليون يورو، في حين برز تطور لافت في واردات منتجات الصلب التي بلغت 175 مليون يورو.
كما تشمل المباحثات ملفات تطوير البنية التحتية ودعم الاستثمار وتعزيز حضور الشركات الإيطالية في الجزائر، إضافة إلى بحث إمكانية إنشاء غرفة تجارة مشتركة لتنظيم العلاقات الاقتصادية.
ويمتد التعاون أيضا إلى قطاعات استراتيجية أخرى، من بينها صناعة السيارات عبر مجموعة ستيلانتس، التي تدير مصنعا مرتبطا بعلامة “فيات”، إضافة إلى مشاريع زراعية تقودها شركة (BF Spa) لإنتاج القمح الصلب والمعكرونة في المناطق الصحراوية.
وفي ظل هذا السياق، تبدو الجزائر في موقع قوة، باعتبارها أحد الموردين القلائل القادرين على توفير إمدادات مستقرة وسريعة لأوروبا، دون انخراط حاد في الاستقطابات الدولية.









لا يوجد تعليقات بعد! كن أول المعلّقين