تعرضت النسخة الثانية من حكومة الوزير الأول عبد العزيز جراد إلى نكسة كبير في أيامها الأولى؛ عقب إعلان سمير شعابنة تخليه عن منصب وزير منتدب للجالية بعد تخييره من طرف المجلس الدستوري بين الوزارة وتنازله عن الجنسية الفرنسية.

وأخذ النقاش حول القضية زوايا مختلفة، بعضها ركزت على سلوك شعابنة نفسه وربطه بالوطنية وما تتطلبه من تضحية مقابل الجنسية الفرنسية وما تمنحه من مزايا لحاملها.

وزاوية أخرى من النقاش تمحورت حول المأزق الذي وضعت مؤسسات الحكم نفسها فيه وكانت في غنى عنه، ولعل هذا البعد أكثر أهمية في الموضوع لأنه يفتح نافذة حول آليات عمل مؤسسات الدولة، أما قرار البرلماني عن الجالية فهو في الأخير تقدير موقف خاص له مبرراته، كما أن مسألة الوطنية والتضحية غير مطروحة في هذا السياق لأنه ربما يدرك قبل غيره أن المنصب والوضع ليس بتلك الأهمية التي تقتضي قرارات كبرى في منعرجات تاريخية حاسمة.

بالعودة إلى الإطار المؤسسي للمسألة فإن السلطة السياسية حمّلت سمير شعابنة مسؤولية ما حصل بحجة أنه لم يفصح عن امتلاكه الجنسية الفرنسية عند تعيينه، وهذا التبرير ينطبق عليه المثل: “رب عذر أقبح من ذنب”، لأنه يعكس حالة من التخبط والعشوائية في تسيير شؤون الدولة، كما يؤكد غياب تقاليد العمل المؤسسي في دوائر الحكم، التي أضحت الارتجالية عندها هي الأصل، والانضباط المؤسسي هو الاستثناء.

تذكر هذه الحادثة بمواقف مشابهة حصلت في الفترة السابقة، وإن كان البعض بررها بغياب رئيس الجمهورية حينها وتولي أخوه شؤون إدارة الدول والذي أصطلح عليه لاحقا بـ”القوى غير الدستورية”، ولكن يبدو أن تلك الأمراض تغلغلت في مفاصل الدولة، وباتت تسيء كثيرا لمؤسساتها، لأن ما هو متداول بين الجزائريين أن الوزير غالبا ما يبلغ بورود اسمه كاحتمال فقط، ولا تؤخذ منه الموافقة الرسمية مسبقا، وكثيرا ما يسمع بخبر تعيينه من وسائل الإعلام أو بتهنئة الأصدقاء.

هذا السلوك مرده لفكرة يبدوا أنها ترسخت بين أهل الحكم مفادها أن منصب الوزير لا يرفض، وهناك قناعة أخرى أيضا متجذرة عند النخب السياسية أن من يرفضه يحرق أوراقه المستقبلية ولا ينتظر أن تطرق بابه تلك الفرصة ثانية، فضلا عن أن الوزير الجزائري لا يستقيل مطلقا وكثير منهم انشق عن حزبه عند مطالبته بالاستقالة.

هذه الصور السائدة في المخيال السياسي الجزائري تبرز مدى غياب التقاليد المؤسسية الاحترافية في دوائر صناعة القرار السياسي وغيابها شبه الكامل، وكلها من مظاهر عدم الاستقرار السياسي التي يعتبر عدم الاستقرار الحكومي أحد مؤشراته في الأدبيات السياسية.

والموضوع له صلة بالجدل المثار حول مسودة الدستور في شقه المتعلق بمسألة اختيار رئيس الحكومة وأعضاءها، وعلاقة الحزب الحائز على الأغلبية بهذه المناصب. لذلك لابد من الفصل في هذه القضايا والمواضيع المتصلة بها بشكل حاسم يرسم معالم النسق المؤسسي، ويحقق التمايز الوظيفي، وهذا ما لن يتحقق بدون ثنائية المكافأة والعقوبة.

لعل الجانب المشرق في ما حصل يكمن في تحرك مؤسسة المجلس الدستوري التي أشارت تقارير إعلامية إلى أنها هي من نبه لهذه المسألة، وهو السلوك الذي يجب أن تنسج على منواله مختلف مؤسسات الدولة لتجاوز الوضع الحالي.