شهدت محكمة الجنح بالدار البيضاء، اليوم الأحد، صدور أحكام قضائية متفاوتة في واحدة من أكثر القضايا التي هزت الرأي العام في الجزائر خلال صائفة 2025، والمتعلقة بحادثة سقوط حافلة لنقل المسافرين في مجرى وادي الحراش بالعاصمة، والتي خلفت مأساة إنسانية أليمة أودت بحياة 18 شخصا وإصابة 23 آخر.
أحكام قضائية متفاوتة بحق المتهمين
وفي منطوق الحكم، أدانت المحكمة مالك الحافلة (ح. رفيق) بعقوبة 5 سنوات حبسا نافذا، مرفوقة بغرامة مالية قدرها 200 ألف دينار جزائري، بعد متابعته بتهم تتعلق باستعمال شهادة تتضمن وقائع غير صحيحة، في إشارة إلى وثيقة المراقبة التقنية التي أثبتت التحقيقات عدم صحتها.
كما سلطت المحكمة عقوبة 4 سنوات حبسا نافذا وغرامة مالية على كل من سائق الحافلة (د. حمزة) والمراقب التقني (ب. جلال)، حيث وجهت للسائق تهم القتل الخطأ بواسطة مركبة نقل جماعي وتعريض حياة الغير للخطر، مع إصدار عقوبة تكميلية تقضي بتعليق رخصة سياقته لمدة 4 سنوات.
أما المراقب التقني، فقد أدين بتهمة تحرير شهادة تتضمن معلومات غير صحيحة، إضافة إلى تعريض حياة الغير للخطر نتيجة الإخلال المتعمد بقواعد السلامة، مع اتخاذ إجراءات إضافية شملت إغلاق المؤسسة التي ينشط بها لمدة سنتين ومنعه من ممارسة المهنة لنفس المدة.
وفي السياق ذاته، قضت المحكمة في حق قابض الحافلة (ه. نور الدين) بعقوبة عامين حبسا، منها عام غير نافذ، مع غرامة مالية قدرها 500 ألف دينار جزائري، على خلفية مسؤوليته في عدم احترام شروط نقل الركاب.
تعويضات مالية للضحايا
ألزمت المحكمة جميع المتهمين بدفع تعويضات مالية بالتضامن، حيث قدر التعويض عن الضرر المادي بـ100 ألف دينار جزائري، إضافة إلى تعويضات معنوية تراوحت بين 30 ألف و60 ألف دينار لفائدة ذوي الضحايا.
كما أمرت بتعيين خبير لتقييم الأضرار التي لحقت بالمصابين.
وتعود وقائع القضية إلى يوم الجمعة 15 أوت 2025، حين انحرفت حافلة كانت تنشط على خط الرغاية – أول ماي، وسقطت من أعلى جسر في وادي الحراش بحي المحمدية، بعد الساعة الرابعة مساء.
وكان على متنها 45 راكبا، حيث لقي 18 منهم حتفهم غرقا، فيما تم إنقاذ 23 آخرين بصعوبة كبيرة من طرف مصالح الحماية المدنية.
تحقيقات تكشف مخالفات خطيرة
كشفت التحقيقات التي باشرتها فرقة مكافحة الجريمة الكبرى سلسلة من التجاوزات الخطيرة، كان أبرزها تشغيل الحافلة رغم صدور قرار إداري بتوقيفها عن الخدمة قبل أيام قليلة من الحادث، إضافة إلى تجاوز عدد الركاب المسموح به قانونا، حسب ما نقله “موقع النهار”.
كما أثبتت الخبرة التقنية التي أنجزها المعهد الوطني للأدلة الجنائية وعلم الإجرام وجود أعطال ميكانيكية خطيرة، خاصة على مستوى نظام التوجيه والفرامل والعجلات، وهو ما اعتبر السبب المباشر لفقدان السيطرة على الحافلة.
وخلال جلسات المحاكمة، أدلى سائق الحافلة باعترافات لافتة، حيث أقر بأنه لم يمارس السياقة منذ 4 سنوات، وأنه قاد الحافلة بطلب من مالكها.
كما أوضح أن الحادث وقع بعد اصطدام الحافلة بحفرة على مستوى الجسر، ما أدى إلى تعطل العجلة الأمامية وفشل نظام الفرامل.
في المقابل، تمسك مالك الحافلة ببراءته من التهم المنسوبة إليه، نافيا علمه بوجود أعطال ميكانيكية أو تزوير في وثيقة المراقبة التقنية، ومؤكدا أنه قام بإخضاع المركبة للصيانة قبل الحادث.
أما قابض الحافلة، فقد نفى وجود حمولة زائدة، غير أن المحكمة واجهته بتصريحات الضحايا التي أكدت فتح الباب أثناء السير، ما ساهم في تفاقم عدد الضحايا عند سقوط الحافلة.
مطالب النيابة وإجراءات لاحقة
كان ممثل النيابة العامة قد التمس توقيع عقوبة 4 سنوات حبسا نافذا ضد جميع المتهمين، في حين طالب الوكيل القضائي للخزينة العمومية بتعويضات مالية تصل إلى 5 ملايين دينار عن كل متهم.
يجدر الإشارة إلى أنه في أعقاب هذه الفاجعة، سارعت وزارة النقل إلى اتخاذ إجراءات وقائية، تمثلت في قرار سحب الحافلات المتهالكة التي تجاوز عمرها 30 سنة من الخدمة، ومنح مهلة لا تتجاوز 6 أشهر لأصحابها من أجل استبدالها، في خطوة تهدف إلى تعزيز السلامة المرورية وتفادي تكرار مثل هذه الكوارث.









لا يوجد تعليقات بعد! كن أول المعلّقين