انطلقت في سويسرا مرحلة جديدة من المحادثات بين الولايات المتحدة وإيران، بعد انتهاء الجولة السياسية الأولى التي أسفرت عن اتفاق مبدئي على خريطة طريق تمتد لـ60 يوما، تمهيدا للتوصل إلى تسوية نهائية، مع بدء اجتماعات فنية وتقنية لمناقشة تفاصيل التنفيذ وآليات التطبيق.
وجرت هذه التطورات في منتجع بورغنشتوك السويسري ضمن مفاوضات استمرت لساعات طويلة وبوساطة قطرية وباكستانية، حيث ركزت النقاشات على خفض التوترات، وبناء آليات عمل مشتركة، وتحديد ملفات قابلة للتطبيق التدريجي خلال المرحلة المقبلة.
انطلاق تقني فعلي
باشرت الفرق الفنية التابعة للطرفين أعمالها في سويسرا، حيث انتقلت المفاوضات إلى مستوى تفصيلي يهدف إلى ترجمة التفاهمات السياسية إلى إجراءات عملية قابلة للقياس والتنفيذ.
ويشمل هذا المسار مراجعة بنود مذكرة التفاهم، ووضع آليات تنفيذ تدريجية تتعلق بالملف النووي الإيراني، وآليات تخفيف العقوبات، إضافة إلى ترتيبات مالية واقتصادية مرتبطة بالأصول الإيرانية المجمدة في الخارج.
هيكلة تفاوضية جديدة
اتفق الجانبان، وفق بيانات رسمية صادرة عن الوسطاء، على إنشاء لجنة سياسية عليا تتولى الإشراف العام على العملية التفاوضية، إلى جانب تشكيل مجموعات عمل تقنية متخصصة لكل ملف على حدة.
وتشمل هذه المجموعات ملفات رئيسية مثل البرنامج النووي، والعقوبات الاقتصادية، والتسويات القانونية والمالية، إلى جانب آليات تسوية النزاعات بين الطرفين في حال ظهور خلافات أثناء التنفيذ.
كما تم الاتفاق على إنشاء قناة اتصال مباشرة بين الجانبين بشأن أمن الملاحة في مضيق هرمز، بهدف منع أي سوء تقدير قد يؤدي إلى تصعيد بحري أو تعطيل لحركة الطاقة العالمية.
كما تركز المناقشات الاقتصادية على ملف تصدير النفط الإيراني والإعفاءات المرتبطة به، إلى جانب آليات الإفراج التدريجي عن الأصول المالية المجمدة في الخارج، والتي تمثل أحد أبرز نقاط التفاوض المعقدة.
وتسعى الأطراف إلى صياغة ترتيبات مالية دقيقة تضمن توازنا بين الالتزامات السياسية والعقوبات القائمة، مع إدخال آليات رقابة دولية تسمح بمتابعة تدفق الأموال والسلع في حال التوصل إلى اتفاق نهائي.
وفي هذا السياق، يتم التداول حول ترتيبات تجارية محدودة قد تشمل بعض السلع الأساسية مقابل تخفيف تدريجي للقيود الاقتصادية، ضمن إطار تجريبي يخضع للتقييم المستمر.
مبدأ الالتزام المتبادل
تؤكد طهران أن المبدأ الأساسي الحاكم لهذه المرحلة هو “الالتزام مقابل الالتزام”، أي تنفيذ متزامن ومتبادل للتعهدات بين الطرفين دون اختلال في التوازن.
وترى إيران أن استمرار التفاوض مرتبط مباشرة بمدى التزام الجانب الأمريكي ببنود محددة، فيما يشدد الجانب الآخر على ضرورة خطوات إيرانية متقدمة في الملف النووي قبل أي تخفيف واسع للعقوبات.
ويجدر الإشارة إلى أنهرغم التقدم المسجل، شهدت الجولة الأولى من المفاوضات توتراً محدوداً عقب تصريحات سياسية حادة من الجانب الأمريكي، اعتبرتها طهران غير منسجمة مع مناخ التفاوض.
وقد أدى ذلك إلى توقف مؤقت في المحادثات قبل أن تتدخل الوساطات لإعادة الأطراف إلى طاولة الحوار، عبر قنوات دبلوماسية مباشرة ساهمت في احتواء الأزمة واستئناف النقاشات.
بؤرة تشعل التوتر
لم تقتصر المحادثات على الملف النووي والعقوبات، بل امتدت إلى ملفات إقليمية، أبرزها الوضع في لبنان، حيث تم الاتفاق على آلية لفض الاشتباك ومتابعة تثبيت وقف إطلاق النار.
وتعد هذه الآلية خطوة أولية لقياس قدرة التفاهمات بين واشنطن وطهران على الانتقال من المستوى السياسي إلى تطبيقات ميدانية في مناطق النزاع.
كما تمت مناقشة قضايا تتعلق بأمن الملاحة في مضيق هرمز، في إطار مساع لضمان استقرار إمدادات الطاقة العالمية وتفادي أي اضطرابات في الأسواق الدولية.
وشارك في المفاوضات وفد أمريكي رفيع ضم نائب الرئيس جاي دي فانس والمبعوث الخاص ستيف ويتكوف وعددا من المستشارين، فيما قاد الوفد الإيراني نائب وزير الخارجية كاظم غريب آبادي بمشاركة وزير الخارجية عباس عراقجي وخبراء قانونيين واقتصاديين.
ويحضر الاجتماعات ممثلون عن قطر وباكستان بصفتهما وسيطتين أساسيتين، حيث لعبتا دورا محوريا في تقريب وجهات النظر وإعادة تفعيل مسار التفاوض بعد فترات من الجمود.



لا يوجد تعليقات بعد! كن أول المعلّقين