أثار كتاب “محمد السادس، اللغز” (Mohammed VI, le mystère) للصحفي الفرنسي المختص في شؤون المغرب العربي والشرق الأوسط تيري أوبيرليه اهتمامًا إعلاميًا واسعًا في فرنسا وخارجها، منذ صدوره عن دار فلاماريون مطلع عام 2026.
ويقدّم العمل تحقيقًا صحفيًا مطولًا حول طبيعة الحكم في المغرب، ودور المؤسسة الملكية، وأساليب ممارسة السلطة خلال عهد الملك محمد السادس منذ اعتلائه العرش سنة 1999.
ملك حاضر وغائب
ترسم معظم القراءات الصحفية للكتاب صورة لملك يتسم بالغموض وقلة الظهور الإعلامي، إذ يصفه المؤلف بأنه حاضر في بنية السلطة، لكنه غائب عن المجال العام.
ويشير أوبيرليه إلى أن حضور الملك غالبًا ما يقتصر على الأنشطة الرسمية والبلاغات الصادرة عن القصر، بينما تبقى تفاصيل دوائر القرار وآليات اشتغالها بعيدة عن أعين الرأي العام، ما يعزز صورة “الملك اللغز”.
نظام الحكم
ويعتمد الكاتب، بحسب ما نقلته التقارير، على مقاربة تحليلية تقوم على فكرة أن النظام السياسي المغربي يقوم على مركزية القرار داخل القصر، مع اعتماد واسع على التفويض.
فالملك يحتفظ بمفاتيح السلطة السياسية والاقتصادية والدينية، في حين يتولى المحيط الملكي والمستشارون تنفيذ السياسات اليومية وإدارة الملفات الحساسة، ضمن منظومة تتسم بالسرية والانضباط.
مصادر التحقيق
ويؤكد أوبيرليه أن كتابه يستند إلى وثائق يقول إنها لم تُنشر سابقًا، إضافة إلى شهادات لمسؤولين سابقين ومتابعين للشأن المغربي ومصادر دبلوماسية، فضلًا عن أرشيف صحفي واسع.
ويهدف من خلال ذلك إلى تفكيك ما يصفه بالجانب غير المعلن من ممارسة السلطة، وتسليط الضوء على التوازنات الدقيقة داخل القصر الملكي.
ملفات شائكة
وتتناول فصول الكتاب، وفق العروض الإعلامية، عدة محاور أساسية، من بينها طبيعة الممارسة الفعلية للسلطة داخل النظام الملكي، والدور المركزي الذي يؤديه القصر في توجيه القرار السياسي والاقتصادي.
كما يتطرق إلى العلاقات المغربية الفرنسية، وما شابها من توترات خلال السنوات الأخيرة، إضافة إلى الملفات الاستراتيجية الكبرى، وعلى رأسها قضية الصحراء الغربية.
ولا يغفل المؤلف التطرق إلى موضوع الثروة الملكية والأنشطة الاقتصادية المرتبطة بالمؤسسة الملكية، وكذلك وتيرة سفر الملك وإقاماته المتكررة خارج البلاد.
كما يورد معطيات حول الوضع الصحي للملك، منسوبة إلى مصادره الخاصة، مع التأكيد على غياب أي بيانات رسمية مفصلة بهذا الشأن.
الحكم الفردي
يتوقف أوبيرليه عند التحول في الصورة العامة للملك محمد السادس، حيث يوضح أن بدايات العهد ارتبطت بخطاب “الملك القريب من الفقراء” وصورة الحاكم الاجتماعي، قبل أن تتطور لاحقًا نحو نموذج يرتبط أكثر بالمشاريع الكبرى والإصلاحات الاقتصادية ذات الطابع الليبرالي.
وتعيد هذه المعطيات، كما تشير عدة مقالات، طرح الجدل القديم حول توصيف حكم محمد السادس. فبينما رُوّج له في بداية عهده كـ“ملك التحديث الهادئ” القادر على طي صفحة سنوات الرصاص، يرى أوبيرليه أن ملامح الحكم تطورت نحو نمط أكثر تركيزًا للسلطة، ضمن نظام قوي يتحكم في المجالين السياسي والإعلامي.
لكنه يعتبر — وفق قراءته — أن آثار هذه السياسات على مستوى العدالة الاجتماعية بقيت محل نقاش، في ظل تواصل احتجاجات اجتماعية في بعض المناطق، واستمرار التفاوت التنموي بين المراكز الحضرية والأطراف.
ويطرق الكتاب أيضًا ملفات توصف بالحساسة، مثل شبكات النفوذ داخل محيط القصر، وطبيعة العلاقات بين بعض الشخصيات النافذة، إضافة إلى ملف الاتجار بالمخدرات في منطقة الريف وتأثيره على الاقتصاد المغربي.
وتؤكد التقارير التي تناولت هذه الفصول أن ما يرد فيها يعكس طرح الكاتب وتحليله الصحفي، وليس وقائع قضائية مثبتة أو أحكامًا قانونية نهائية.
ندرة الظهور الإعلامي
ومن بين النقاط التي تحظى باهتمام خاص في الكتاب، مسألة ندرة ظهور الملك محمد السادس في الإعلام وغياب المقابلات الصحفية المباشرة منذ توليه الحكم، فضلًا عن قلة الصور المتداولة له خارج الإطار الرسمي.
ويرى أوبيرليه أن هذا الغياب المقصود يساهم في ترسيخ صورة حاكم صامت، يحكم من خلف ستار.
ويستند الكتاب، بحسب المراجعات، إلى خبرة مهنية طويلة لمؤلفه، إذ يُعد تيري أوبيرليه من أبرز الصحفيين الفرنسيين المتخصصين في شؤون المغرب العربي وإفريقيا والشرق الأوسط، وقد شغل سابقًا منصب كبير المراسلين في صحيفة لو فيغارو، وله مؤلفات سابقة حول قضايا دينية ونزاعات إقليمية.
في المحصلة، يُنظر إلى كتاب “محمد السادس، اللغز” كعمل صحفي تحقيقي يعكس قراءة مؤلفه الخاصة ومعطيات مصادره، وقد فتح نقاشًا واسعًا في الإعلام الفرنسي حول طبيعة الحكم في المغرب وحدود الشفافية ودور الملكية في النظام السياسي.
وفي المقابل، لا تتوفر حتى الآن ردود رسمية مفصلة على ما ورد في الكتاب ضمن المواد المنشورة، ما يجعل الجدل مفتوحًا في الأوساط الإعلامية والأكاديمية.









لا يوجد تعليقات بعد! كن أول المعلّقين