بعد مصادقة مجلس الوزراء، أواخر ديسمبر الماضي، على مشروع القانون العضوي المتعلق بالأحزاب السياسية، يستعد النص لدخول مرحلته التشريعية داخل المجلس الشعبي الوطني، حيث يرتقب أن يُعرض للنقاش والتعديل قبل التصويت عليه خلال الأيام المقبلة.

ويتكوّن المشروع من 96 مادة، ترسم إطارا قانونيا وإجرائيًا بالغ الدقة، يعيد تعريف شروط الوجود الحزبي والاستمرارية السياسية، من خلال منظومة التزامات إدارية ومالية وانتخابية وصفت بأنها الأكثر صرامة منذ إقرار التعددية الحزبية.

إعادة رسم الخارطة الحزبية

يأتي المشروع في سياق توجه إعادة هيكلة المشهد السياسي، يقوم على تقليص عدد الكيانات الحزبية وتعزيز الانضباط القانوني والتنظيمي، بما يسمح – وفق منطق السلطة – ببروز أحزاب ذات امتداد وطني فعلي بدل الاكتفاء بوجود شكلي أو ظرفي.

وفي هذا الإطار، أعاد النص صياغة شروط تأسيس الأحزاب من الجذور، فلم يعد التمثيل الرمزي أو الانتشار المحدود كافيا لنيل الاعتماد، إذ بات مطلوبا توفر حضور فعلي في نصف ولايات الوطن على الأقل.

شروط تأسيس غير مسبوقة

تنص المادة 27 من المشروع على أن انعقاد المؤتمر التأسيسي داخل التراب الوطني يشترط حضور ما لا يقل عن 600 مؤتمر، منتخبين عبر مؤتمرات ولائية، يمثلون نصف زائد واحد من الولايات، مع مراعاة التوازن الجهوي، وضمان تمثيل النساء والشباب.

كما حدد النص سقفًا أدنى بـ25 مؤتمرًا عن كل ولاية ممثلة، يُنتخبون من طرف ما لا يقل عن 100 منخرط في كل ولاية، ويُثبت ذلك بمحاضر رسمية يحررها محضر قضائي. ولا يُعد المؤتمر التأسيسي قانونيًا إلا بحضور أغلبية الأعضاء المؤسسين.

ويمنع المشروع، بالمقابل، تأسيس أو تسيير أو الانخراط في أي حزب سياسي لكل شخص ثبت تورطه في استغلال الدين أو الهوية أو اللغة، أو ثوابت الأمة المرتبطة بالمأساة الوطنية، أو كان منتمياً إلى أشخاص أو كيانات مدرجة في القائمة الوطنية للإرهاب.

رقمنة وتكريس للرقابة

يقترح النص تعديلات جوهرية على القانون الساري، أبرزها رقمنة تسيير الأحزاب السياسية عبر إنشاء منصة رقمية لدى وزارة الداخلية، تهدف إلى تسهيل إجراءات التأسيس والاعتماد، وتعزيز الشفافية، وضمان معاملة متساوية بين مختلف التشكيلات السياسية.

تسقيف عهدة الرئاسة فقط

يضبط القانون آليات اختيار الهيئات القيادية وعهداتها، مع الإبقاء على تحديد عهدة رئيس الحزب أو أمينه العام بخمس سنوات قابلة للتجديد مرة واحدة، دون تعميم هذا القيد على بقية الهياكل، بعد التخلي عن الصيغة الأولى استجابة لملاحظات الأحزاب.

ويستحدث النص مبدأ بطلان القرارات الصادرة عن قيادة انتهت عهدتها، في قطيعة مع القانون الحالي الذي كان يسمح باستمرار القيادات المنتهية عهدتها في ممارسة نشاطها إلى غاية الفصل القضائي.

كما تراجعت الحكومة عن فرض لجان وطنية إلزامية داخل الأحزاب، واعتمدت صيغة أكثر مرونة تتيح للأحزاب استحداث لجان دائمة أو مؤقتة وتحديد صلاحياتها ضمن أنظمتها الداخلية، تكريسا للاستقلالية التنظيمية.

تجفيف ظاهرة “التجوال السياسي”

أقرت المادة 24 عقوبات قانونية صارمة لمكافحة ظاهرة تغيير الانتماء الحزبي، حيث يُشطب نهائيًا من الحزب كل منتخب في البرلمان أو المجالس المحلية يغيّر الحزب الذي انتُخب باسمه بإرادته.

شفافية مالية مشددة

يفرض المشروع قواعد صارمة في مجال تمويل الأحزاب، مستندًا إلى قانون مكافحة الفساد، من خلال إلزامية الحساب البنكي الموحد، ومنع التعامل النقدي، وإخضاع جميع الموارد لرقابة دقيقة، مع تسليط العقوبات القانونية في حال تسجيل أي تجاوزات، في تشديد واضح مقارنة بقانون 2012.

المشاركة في الانتخابات أو الحل

يربط المشروع بقاء الحزب القانوني بمشاركته الفعلية في الاستحقاقات الانتخابية، ويخوِل لوزير الداخلية طلب حل الحزب قضائيا إذا غاب عن موعدين انتخابيين متتاليين، خلال أجل أقصاه 60 يوما، خلافا للتشريع الحالي الذي يتيح هامشا أوسع للمقاطعة السياسية.

كما يحظر النص استغلال الدين أو العرق أو الجهة أو اللغة لأغراض سياسية، ويمنع تلقي أي دعم أو تمويل أجنبي.

تجريم موسّع وعقوبات رادعة

حَوّل المشروع العديد من المخالفات إلى جرائم يعاقب عليها القانون بشدة، خلافا للقانون العضوي 12-04 لسنة 2012.

ونصت المادة 90 على معاقبة كل من يسير حزبا غير معتمد أو يواصل تسيير حزب موقوف أو محلول بغرامة من 300 ألف إلى 600 ألف دينار، مع فرض غرامة من 100 ألف إلى 300 ألف دينار على كل من ينشط داخل هذه الأحزاب.

أما المادة 91 فتعاقب ممارسة أي نشاط ربحي باسم الحزب بغرامة تصل إلى 300 ألف دينار، مع تشديد العقوبة إذا كان الفاعل مسؤولا حزبيا.

وفيما يتعلق بالتمويلات، نصت المادة 92 على عقوبة السجن من خمس إلى عشر سنوات وغرامة تصل إلى مليون دينار لكل مسؤول حزبي يتلقى دعما أجنبيا، بينما تعاقب المادة 93 على تلقي تبرعات وطنية غير مصرح بها بالحبس من سنتين إلى عشر سنوات.

كما كرست المادة 94 حماية صارمة لممتلكات الأحزاب، عبر عقوبات سالبة للحرية وغرامات ضد كل من يختلس أو يبدد أو يستعمل أموال الحزب بصفة غير مشروعة.

التمويل العمومي والمسؤولية الجزائية

أبقى المشروع على حق الأحزاب المعتمدة في الاستفادة من التمويل العمومي، مقابل احترام أحكام القانون وضمان الشفافية، مع إلزامها بإيداع تقارير مالية سنوية مصادق عليها من محافظ حسابات معتمد.

كما أسس لمسؤولية جزائية شخصية تشمل رئيس الحزب، والأمين العام، وأمين المال، وكل مسير فعلي، مع منح مهلة ستة أشهر لتسوية الوضعية القانونية، تحت طائلة الحل القضائي.

بين التعددية والهيمنة القانونية

رغم تأكيده على حق الجزائريين في التعددية الحزبية، يثير المشروع مخاوف واسعة داخل الأوساط السياسية، وسط انطباع بأن النص يمنح الإدارة أدوات قانونية قوية لإحكام السيطرة على الساحة الحزبية، بما قد يحوّل التعددية إلى مجرد هياكل مسجلة لدى وزارة الداخلية، دون قدرة فعلية على إنتاج بدائل سياسية أو التداول على السلطة.

مبررات الحكومة

تدافع الحكومة عن المشروع باعتباره جزءًا من مسار “أخلقة الحياة السياسية” وقطع الطريق أمام الممارسات السابقة، مع تجاوز ظاهرة “الأحزاب المجهرية”، وفرض شروط موضوعية تضمن الانتشار الجغرافي والقدرة التنظيمية.

كما تؤكد أن تسقيف العهدات يهدف إلى إنهاء احتكار القيادة وفتح المجال أمام النخب الشابة، وربط الاستمرارية القانونية للأحزاب بفعاليتها الانتخابية، باعتبار أن العزوف المتكرر عن الانتخابات يعد تخليا عن الدور الدستوري للأحزاب في التعبير عن الإرادة الشعبية.