تعيش العلاقات الجزائرية الفرنسية منذ أكثر من عام حالة توتر دبلوماسي، تخللتها ملفات حساسة تتعلق بالذاكرة والهجرة والتعاون الأمني.

 غير أنّ الأسابيع الأخيرة شهدت سلسلة من التحركات السياسية والدبلوماسية التي توحي بوجود مسار تدريجي نحو استئناف الحوار بين البلدين، بعد تجميد قنوات التواصل الرسمية لفترة طويلة.

 فيما يلي نرصد أبرز خمسة مؤشرات تدعم هذا الاتجاه.

رحيل برونو ريتايو

شكّل رحيل وزير الداخلية الفرنسي السابق برونو ريتايو مطلع أكتوبر نقطة تحول أساسية، إذ كان ينظر إليه في الجزائر باعتباره أحد أبرز معرقلين لعودة العلاقات، بسبب مواقفه التشددية واستعماله ملف الهجرة والعلاقات الثنائية في صراعاته السياسية الداخلية.

وخلف ريتايو مواطنه لوران نونيز بمقاربة أكثر واقعية وهادئة، تقوم على التنسيق الأمني واحترام حساسية الملفات المشتركة.

 وكانت أولى خطوات هذا الانفتاح دعوة رسمية من وزير الداخلية الجزائري له لزيارة الجزائر، وهي خطوة تعكس انفتاحاً عملياً لإعادة جسور الثقة بين البلدين.

اتفاق الهجرة 1968

في جلسة أمام البرلمان الفرنسي، أعلن رئيس الوزراء سيباستيان لوكورنو أن حكومته لن تقدم على إلغاء اتفاق 1968 حول تنقل الجزائريين، رغم الضغوط السياسية داخل فرنسا.

ويرى لوكورنو أن العلاقات مع الجزائر يجب أن تُبنى على التعاون الاقتصادي والأمني، وليس فقط على المقاربة الأمنية للهجرة.

واعتُبرت هذه التصريحات رسالة تهدئة واضحة إلى الجزائر، خصوصاً أنّ هذا الاتفاق يعدّ ملفاً حساساً بالنسبة للجزائر والجالية الجزائرية في فرنسا.

عودة قنوات الحوار

كشف مدير المخابرات الخارجية الفرنسية (DGSE)، نيكولا ليرنر، لأول مرة، وجود “إشارات إيجابية” من الجزائر حول استئناف الحوار الأمني بين الجهازين.

وخلال تصريحات أدلى بها صباح الإثنين لإذاعة France Inter، أشار ليرنر إلى وجود “إشارات علنية وأخرى غير معلنة” قادمة من الجانب الجزائري، مؤكدا:

“فرنسا مستعدة للحوار، وكانت دائمًا مستعدة له..”

ويعدّ التعاون الأمني ومكافحة الإرهاب من أهم نقاط التقارب بين الجزائر وباريس، وعودة هذا التنسيق يعتبر خطوة عملية تتعدى النوايا السياسية.

تطور مفاجئ في قضية صنصال

يشكّل ملف الكاتب بوعلام صنصال أحد أكبر العقد التي عطلت استئناف العلاقات، خصوصاً مع ضغط الأوساط السياسية اليمينية واللوبيات المؤيدة له في فرنسا.

وشهد الملف تحولاً بارزاً بعد أن أعلن الرئيس الألماني فرانك فالتر شتاينماير أنه طلب من الرئيس الجزائري عبد المجيد تبون منح صنصال عفواً إنسانياً والسماح له بالعلاج في ألمانيا.

لكن اللافت أنّ الرئاسة الجزائرية نشرت مضمون الطلب، وهو ما فسّره مراقبون بأنه إشارة إلى استعداد لبحث حل وسط.

قرب عودة السفير الفرنسي

يستعد السفير الفرنسي ستيفان روماتيه، الذي كان قد استُدعي إلى باريس بعد أزمة تأشيرات القنصليات، وفق مصادر للعودة إلى ممارسة مهامه في الجزائر.

وتعد عودة السفير خطوة بروتوكولية لكنها ذات قيمة سياسية عالية، لأنها تؤشر إلى استعادة العلاقات مستوى الاتصال الطبيعي بين الحكومتين.

كما أنّ الأمينة العامة لوزارة الخارجية الفرنسية (Quai d’Orsay) من المنتظر أن تزور الجزائر خلال الأسابيع المقبلة، في إطار إعادة تنظيم الحوار السياسي والدبلوماسي.

“ليس نهاية الأزمة، بل بداية إدارتها”

يرى الباحث حسني عبيدي أستاذ العلاقات الدولية، أن نشر الرئاسة الجزائرية للرسالة التي وجّهها الرئيس الألماني لصالح صاحب رواية “قرية الألماني” بوعلام صنصال يشكّل مؤشرًا على تغيّر لافت في موقف الجزائر.

 في هذه القضية، تتحرك برلين كمتدخل ثانوي، لكن حركتها تأتي ضمن سياق يتميّز بتكاثر الإشارات الإيجابية منذ رحيل وزير الداخلية السابق، يضيف عبيدي.

ويؤكد الباحث الجزائري أن “كل هذه المؤشرات تصب في اتجاه استئناف الحوار: الوزير الجديد للداخلية تلقى دعوة من نظيره الجزائري؛ والأمينة العامة لوزارة الخارجية الفرنسية (كي دورسيه) منتظرة في الجزائر؛ كما أن السفير الفرنسي سيريل روماتيه مستعد لاستئناف مهامه.. حضوريًا هذه المرة.

وختم قائلا: “لا يمكن اعتبار ذلك نهاية الأزمة، بل بداية إدارتها.”