أكد المؤرخ الفرنسي بنجامان ستورا، المتخصص في تاريخ الاستعمار الفرنسي للجزائر، أن العنصرية المعادية للجزائريين ما تزال تتنامى في فرنسا، رغم الخطوات الرمزية التي قامت بها الدولة للاعتراف بمجزرة 17 أكتوبر 1961، واصفًا ما حدث في تلك الليلة بـ“جريمة دولة كاملة الأركان”.
مجزرة خططت لها الدولة الفرنسية
وفي مقابلة مع موقع “كل شيء عن الجزائر” TSA Algérie، أوضح ستورا أن قمع المتظاهرين الجزائريين في باريس مساء 17 أكتوبر 1961 لم يكن عملاً عشوائيًا، بل “قرارًا من أعلى مستويات الدولة”.
وقال: “حين يتم اعتقال أكثر من 11 ألف جزائري في ليلة واحدة، فهذا يعني أن العملية كانت منظمة ومخططًا لها مسبقًا من أجهزة الدولة الفرنسية”.
وأشار إلى أن الهدف من العنف المفرط آنذاك كان “عرقلة المفاوضات الجارية بين الجنرال ديغول وجبهة التحرير الوطني، ومنع الوصول إلى اتفاق سلام”.
ذاكرة مغيّبة وتعليم متأخر
وبيّن المؤرخ الفرنسي أن ذكرى المجزرة “ظلت مدفونة في الذاكرة الجماعية الفرنسية لثلاثة عقود كاملة”، قبل أن تبدأ معالمها في الظهور مع كتابات المؤرخين والناشطين في الثمانينيات، مشيرًا إلى أن “الحدث أُدرج في المناهج المدرسية الفرنسية قبل أربع سنوات فقط”.
وأضاف أن إدراج هذه الصفحة المظلمة في الكتب الدراسية خطوة إيجابية، لكنها “ما زالت محدودة ومتأخرة”.
“ماكرون اعترف لكن اليمين يرفض الحقيقة”
وتطرّق ستورا إلى تصريحات الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون الذي وصف في أكتوبر 2021 أحداث 17 أكتوبر بأنها “جرائم”، معتبرًا ذلك “تطورًا مهمًا في الموقف الرسمي الفرنسي”.
لكنّه حذّر من أن “تقدم اليمين المتطرف في فرنسا أعاد الخطاب العنصري ضد الجزائريين إلى الواجهة، إذ يرفض هذا التيار، ومعه جزء من اليمين التقليدي، مواجهة ماضي فرنسا الاستعماري، ويعتبرون اعتراف ديغول باستقلال الجزائر خيانة كبرى لفكرة الأمة الفرنسية”.
“رحيل ريتايو قد يفتح صفحة جديدة”
وفي حديثه عن العلاقات الجزائرية – الفرنسية، رأى بنجامان ستورا أن رحيل برونو ريتايو من وزارة الداخلية، المعروف بمواقفه العدائية تجاه الجزائر، “قد يساهم في تهدئة الأجواء وعودة الحوار الثنائي”.
غير أنه أشار إلى أن “الأوساط القريبة من ريتايو ما تزال تواصل حملاتها الإعلامية ضد الجزائر، مستخدمة خطابًا تحريضيًا يربط الهجرة الجزائرية بالأعباء الاقتصادية”.
لجنة المؤرخين في حالة جمود
وحول اللجنة المشتركة للذاكرة بين الجزائر وفرنسا، كشف ستورا أنها “مجمّدة منذ سنة 2024”، مضيفًا: “هذا التعطيل يعرقل مسار العمل الأكاديمي بين البلدين، رغم أن الذاكرة المشتركة تمثل جسرًا ضروريًا لبناء الثقة”.
وختم المؤرخ الفرنسي حديثه بالتأكيد على أن العلاقات بين الشعبين الجزائري والفرنسي “أعمق من الأزمات السياسية”، موضحًا أن “مئات الآلاف من الأسر تعيش بين ضفتي المتوسط، ولا يمكن محو قرن ونصف من التاريخ المشترك بمجرد أزمة سياسية أو خطاب متشنج”.



لا يوجد تعليقات بعد! كن أول المعلّقين