لم يكن مجرد دفتر صغير يوضع خلف صندوق المحاسبة، بل كان بالنسبة إلى آلاف العائلات الجزائرية صمام أمان يخفف أعباء المعيشة عند نهاية كل شهر.
لسنوات طويلة، ارتبط “دفتر الكريدي” بالأحياء الشعبية والقرى والمدن على حد سواء، حيث اعتاد أصحاب المحلات تدوين مشتريات الزبائن الذين لا تسمح لهم ظروفهم المالية بالدفع الفوري، على أن تتم التسوية عند استلام الراتب أو المنحة أو أي مصدر دخل آخر.
وسط التحولات التي شهدها المجتمع الجزائري، وتغير أنماط الاستهلاك، وارتفاع تكاليف المعيشة، مازال هذا الدفتر يحافظ على حضوره في بعض المحلات، بينما اختفى من أخرى بسبب تراكم الديون أو تغير العلاقة بين التاجر والزبون.
وبين من يراه ممارسة تضامنية تعكس روح التكافل الاجتماعي، ومن يعتبره مخاطرة قد تهدد استقرار نشاطه التجاري، يبقى “الكريدي” واحدًا من أكثر الظواهر ارتباطًا بالعائلات ذات الدخل المحدود.
في أحد الأحياء بمدينة “شراقة” غربي العاصمة، يروي صاحب محل بقالة أنه ورث هذه “العادة” عن والده الذي كان يخصص دفترا كاملا لتسجيل ديون الجيران والمعارف.
ويقول إن الكثير من الأسر كانت تجد نفسها مضطرة لشراء المواد الأساسية بالدين خلال الأيام الأخيرة من الشهر، خاصة عند مواجهة مصاريف مفاجئة أو ارتفاع الأسعار.
ورغم أن بعض الزبائن يلتزمون بتسديد ما عليهم في الآجال المحددة، إلا أن آخرين يتأخرون أحيانا لأشهر، ما يجعل التاجر أمام معادلة صعبة بين البعد الإنساني ومتطلبات الاستمرار في النشاط.
من جهتهم، يؤكد عدد من المواطنين أن “الكريدي” ساعدهم في تجاوز فترات مالية معقدة، خصوصا في ظل تزايد أعباء الحياة اليومية.
فبالنسبة لعائلات كثيرة، لم يكن الأمر يتعلق بالرفاهية أو المشتريات الثانوية، بل بالحصول على الخبز والحليب والزيت والمواد الضرورية التي لا يمكن الاستغناء عنها.
ومع انتشار وسائل الدفع الحديثة وتغير طبيعة المعاملات التجارية، يتساءل كثيرون عما إذا كان “دفتر الكريدي” سيبقى جزءًا من المشهد الاجتماعي الجزائري أم أنه سيلتحق بقائمة الممارسات التي تراجعت تدريجيا مع مرور الزمن.
غير أن الواقع في عدد من الأحياء يوحي بأن هذه الظاهرة مازالت تقاوم، مدفوعة بعلاقات الثقة التي تجمع بين التاجر وزبائنه، وبحاجة شريحة من الأسر إلى متنفس يساعدها على مواجهة ضغوط المعيشة.
“الكريدي” بين التضامن وضغط المعيشة
أكد حسين زبيري، مختص في علم الاجتماع، في تصريح لـ“أوراس”، أن “دفتر الكريدي في الجزائر أكثر من مجرد وسيلة تقنية لتنظيم المعاملات التجارية، وهو مؤسسة اجتماعية مصغّرة قائمة على منطق الثقة، تتقاطع فيها الحماية الاجتماعية غير الرسمية مع العادات الشعبية”.
وأضاف أن القرب الجغرافي والعلاقات الطويلة بين التاجر والزبون، خاصة داخل الأحياء والجوار، يشكلان عنصر أمان أساسي في استمرار هذه الممارسة، موضحا أن “الكريدي” تتجاوز المعاملة المالية، إلى التعبير عن التضامن المجتمعي، خصوصا بالنسبة للعائلات ذات الدخل المحدود التي تعتمد عليه كأداة لتجاوز فترات نهاية الشهر أو الطوارئ العائلية، ما يجعله نوعا من “خط الدفاع الأول” ضد الفقر.
ويتميز “دفتر الكريدي” حسبه بغياب الفوائد والإجراءات الإدارية المعقدة، إضافة إلى سهولة التفاوض حول آجال السداد، وهو ما يجعله متوافقا مع نمط عيش بسيط يعتمد على الثقة أكثر من العقود الرسمية.
ويتابع المختص أن التحولات الاجتماعية والاقتصادية، خاصة مع انتشار الدفع الإلكتروني والبطاقات البنكية، بدأت تفرض تدريجيا نمط الدفع الفوري، كما أن التجار أصبحوا أكثر حذرا بسبب مخاطر الديون المتراكمة التي قد تؤثر على سيولتهم وقدرتهم على تزويد المحلات بالسلع.
كما أن توسع التجارة الحديثة والمراكز الكبرى، التي تعتمد أنظمة محاسبية مركزية، جعل من “الكريدي” الشخصي أمرا صعب التطبيق إداريا، مما ساهم في تقليص انتشاره، إلى جانب ارتفاع الأسعار وتذبذب هوامش الربح وفق المتحدث ذاته.
ورغم هذا التراجع، يرى الخبير أن “دفتر الكريدي” لن يختفي كليًا، وسيبقى حاضرا في الأحياء الشعبية والأرياف ذات الطابع الاجتماعي التقليدي، في حين سيتراجع في المدن الكبرى والطبقات الوسطى التي تتجه نحو أنماط استهلاك أكثر تنظيما.
ويختم بأن “الكريدي” سيظل رمزا للعلاقة الإنسانية بين التاجر والزبون، ما دام هناك تفاوت اجتماعي وغياب لشبكات أمان مالية كافية، ليبقى بذلك صمام أمان غير رسمي، وإن كان أقل حضورا مع مرور الوقت.
ويضيف أن “دفتر الكريدي ليس مجرد ديون، بل هو خيط يربط نسيج الحي ببعضه”، مشيرا إلى حالات إنسانية يتكفل فيها أشخاص غريبون أحيانا بتسديد ديون آخرين في المحلات، في تجسيد واضح للبعد التضامني لهذه الظاهرة.
وبين صفحات هذا الدفتر تتقاطع قصص إنسانية كثيرة، تختزل تحديات الحياة اليومية للعائلات على تباين مستواهم المعيشي، وتعكس في الوقت نفسه جانبا من قيم التضامن والتكافل التي ما تزال حاضرة داخل المجتمع الجزائري رغم التحولات الاقتصادية والاجتماعية المتسارعة.



لا يوجد تعليقات بعد! كن أول المعلّقين