تواجه المنظومة السياسية والعسكرية التي بناها اللواء المتقاعد خليفة حفتر في شرق ليبيا مرحلة حساسة، مع تصاعد التنافس داخل عائلته على خلافته، وتزايد الضغوط الأمنية والعسكرية التي تواجه قواته في مناطق نفوذها.

وقالت صحيفة لوموند الفرنسية، في تقرير للصحفي فريديريك بوبان، إن اغتيال اللواء فوزي المنصوري، رئيس جهاز الاستخبارات العسكرية التابع لقوات شرق ليبيا، في انفجار استهدف سيارته وسط بنغازي، سلط الضوء على نقاط ضعف أمنية داخل منظومة تقدم نفسها منذ سنوات باعتبارها ضامنة للاستقرار في شرق البلاد.

وأعلنت سلطات شرق ليبيا أن “خلية إرهابية” تقف وراء الهجوم، غير أن غياب معلومات تفصيلية حول ملابساته أبقى الباب مفتوحا أمام فرضيات أخرى، بينها احتمال ارتباط العملية بصراع داخلي.

وتكمن حساسية اغتيال المنصوري، وفق الصحيفة، في موقعه داخل منظومة حفتر؛ فقد كان من أبرز المقربين منه، ولعب دورا في تعزيز نفوذه العسكري والأمني. كما أن تنفيذ عملية اغتيال داخل بنغازي، التي تخضع لرقابة أمنية مشددة، يثير تساؤلات حول قدرة الأجهزة التابعة لحفتر على حماية أبرز المسؤولين في معقله الرئيسي.

تهيئة صدام للخلافة

وتأتي هذه التطورات بينما بدأ حفتر، البالغ 82 عاما، ترتيب انتقال السلطة داخل عائلته، -حسب الصحيفة- مع بروز نجله صدام باعتباره المرشح الأبرز لخلافته.

ودفع حفتر بصدام تدريجيا إلى مواقع عسكرية متقدمة، وصولا إلى تعيينه نائبا للقائد العام لقوات شرق ليبيا عام 2025، تقول لوموند.

لكن صعود صدام فتح في الوقت نفسه باب المنافسة بين أبناء حفتر، خصوصا مع شقيقه خالد، الذي يتولى رئاسة الأركان، في وقت يسعى فيه باقي أفراد العائلة إلى تثبيت مواقعهم ونفوذهم.

ويبرز ضمن هذا السباق بلقاسم حفتر، الذي تولى إدارة صندوق إعادة الإعمار الذي أنشئ عقب العاصفة دانيال. ووفقا لـ”لوموند”، تحول الصندوق إلى قناة رئيسية للتعامل مع الجهات المانحة والمستثمرين الأجانب في شرق ليبيا، ما منحه نفوذا واسعا ومصالح اقتصادية مهمة.

أما شقيقاه صديق وعقبة، فالأول هو شاعر ويشغل دورا في الوساطات القبلية، بينما ينشط الثاني في مجالات العملات المشفرة والذكاء الاصطناعي. ورغم ابتعادهما عن مراكز القرار الرئيسية، تقول الصحيفة إنهما يسعيان إلى حماية مصالحهما داخل المنظومة العائلية.

ويحذر أنس الغوماتي، مدير معهد صادق، وهو مركز أبحاث في طرابلس، من تداعيات هذا التنافس على بنية النظام الذي أقامه حفتر، قائلا: “حفتر بنى نظامه لرجل واحد، وليس لخمسة رجال”.

الجنوب يفتح جبهة جديدة

ولا يقتصر الضغط على معسكر حفتر على الصراع داخل العائلة، إذ تواجه قواته تحديات متزايدة في جنوب ليبيا، خصوصا في منطقة فزان التي شكلت لسنوات قاعدة مهمة لنفوذه.

وكان حضور قوات حفتر في الجنوب جزءا أساسيا من الصورة التي عمل على تكريسها باعتباره “الرجل القوي” القادر على فرض الأمن والسيطرة على الحدود ومواجهة شبكات التهريب.

لكن هذه الصورة تعرضت لاختبارات متتالية.

وبحسب “لوموند“، أدى خلاف بين حفتر وحسن الزادمة، أحد أبرز قادة قواته في الجنوب، إلى انشقاق الأخير وتقاربه مع السلطات في طرابلس.

وفي تطور آخر، برز محمد وردوغو، القيادي المنحدر من قبائل التبو، الذي أسس في مطلع 2026 مجموعة مسلحة مستقلة وبدأ في استهداف مواقع تابعة لقوات حفتر.

وتعكس هذه التطورات اتساع نطاق التحديات التي تواجه معسكر حفتر، بين اضطرابات أمنية في بنغازي، وتنافس داخل العائلة على مستقبل السلطة، وتراجع السيطرة في أجزاء من الجنوب.

انتقال السلطة يهدد توازن المنظومة

وترى “لوموند” أن المؤشرات الحالية لا تكفي للقول إن منظومة حفتر تتجه نحو تفكك وشيك، لكنها تكشف في الوقت نفسه عن اختبار معقد أمام نظام بني خلال سنوات حول شخصية واحدة.

فمع انتقال مركز الثقل تدريجيا من حفتر إلى أبنائه الخمسة، قد تتحول المنافسة على النفوذ والموارد والمواقع العسكرية إلى عامل ضغط على تماسك المنظومة السياسية والعسكرية في شرق ليبيا.

وبذلك، يبدو أن السؤال المطروح أمام معسكر حفتر يتجاوز هوية الخليفة المقبل، ليصل إلى قدرة نظام صممه رجل واحد على الحفاظ على تماسكه عندما يصبح القرار والنفوذ موزعين بين عدة أطراف داخل العائلة نفسها.