الرئيسية » مقالات الرأي » المنتخب في المخيال الشعبي

المنتخب في المخيال الشعبي

مناقشة مشروع قانون الانتخابات غدا الأربعاء

ارتسمت صورة سلبية عند الجزائريين حول المنتخب، ساهم في انتشارها أكثر الإعلام ومواقع التواصل الاجتماعي، فقد أضحى يمثل رجل المال الذي جمع ثروة بطرق غير مشروعة ومتورط في قضايا فساد إلى عنقه، وما وصوله إلى البرلمان إلا لتحصين نفسه من القضاء والتقرب أكثر من دوائر صنع القرار للظفر بمشاريع جديدة ينمي بها ثروته.

وهو ذلك الجاهل والأمي الذي لا يعرف ربما القراءة والكتابة، وإذا أحسنها فبينه وبينها سنوات طويلة، وحتى إذا كان متعلما وحاصلا على درجات عليا في تخصص ما فهو لا يفقه في السياسة والقانون، ولا يدرك حتى الصلاحيات التي تمنح له كمنتخب.

وفي أفضل الأحوال هو ذلك الرجل النزيه الذي سعى للتغيير لكن السلطة أفسدته، أو في الوجه الآخر هو مجرد منافق وانتهازي فضحه المنصب والامتيازات.

ومحليا هو ذلك الذي لم يقدم أي شيء لبلديته أو ولايته، وكل ما حققه من إنجازات لا تخرج عن دائرة مصالحه ومصالح أقربائه وعشيرته.

هناك أسباب عديدة أنتجت هذا الواقع، يأتي في مقدمتها التزوير المباشر وغير المباشر للانتخابات، الأمر الذي لا يتيح المجال لفوز كفاءات قادرة على صنع الفارق وتحقيق إنجازات كبيرة قد تسحب البساط من تحت النخب الحاكمة.

ومن يستطيع تجاوز الحاجز الأول فإنه سيواجه في المرحلة الثانية حاجزا آخر لا يقل عنه أهمية، وهو الصلاحيات المحدودة جدا التي يمنحها له القانون مقابل تلك التي بين يدي “المعيّن” خاصة على مستوى السلطة المحلية.

حيث توضع الكثير من العراقيل أمام “المنتخب” وتحديدا إذا كان من المعارضة، وتُكبل يداه بالإجراءات البيروقراطية ومكائد منتخبين في المجالس من الأحزاب المحسوبة على الموالاة، والتي تتحول مهمتها إلى وضع العصي في دولاب برنامج المنتخب صاحب الكفاءة.

هذا على مستوى الأسباب المرتبطة بممارسات السلطة السياسية، أما على المستوى الشعبي فالمواطن شريك أيضا في هذا المنتج، من خلال انطلاقه من أسس غير موضوعية في انتقاء المرشحين، فالأولوية للقرابة والأيديولوجيا والانتماء والمصلحة، والكفاءة هي المعيار الأخير أو الغائب تماما في العملية.

وفي ظل العزوف الانتخابي وتصويت الكثيرين بأوراق بيضاء، فإن النسبة المتبقية تتوزع على المرتبطين بمصالح مع أحزاب السلطة أو انطلاقا من صراعات وتنافس بين العروش التي يحاول كل منها الدفع بأحد أو بعض أبنائه للسيطرة على المجالس المنتخب المحلية أو الوطنية، وبذلك تبقى الكفاءات هي الأقلية الهامشية والمهمشة.

أمام هذا الواقع يبقى المنتخب محل اتهام في ظل وضع تسود فيه الرداءة، والخروج منه يقتضي إصلاحات جذرية سواء على مستوى السلطة السياسية التي يتوجب عليها المحافظة على “شرف صندوق الانتخاب” كما يقال، أو على مستوى المواطن الذي يحتاج إلى تثقيف سياسي بمعاني المواطنة خارج دائرة العرش والقبيلة والحسابات الضيقة، إلى درجة بيع صوته بألف دينار جزائري أو قارورة 5 لترات من الزيت.

وحتى مع افتراض تجاوز كل هذه العوامل، يجب عدم إغفال أن صندوق الانتخاب يبقى دائما محمّلا بالمفاجآت الغريبة كما يحصل في ما يعرف بالديمقراطيات العريقة، التي أصبح فيها رجل متهما بالمرض العقلي مثل ترامب رئيسا لأكبر قوة في العالم اليوم.

لذلك يجب التعامل بواقعية مع المنتخب ونزع الصورة المثالية عنه، والتي تتصوره بالضرورة رجلا نزيها ذا  كفاءة همه المصلحة العامة أولا وأخيرا، وأنه لن يتغير بالمطلق.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.