صادق نواب المجلس الشعبي الوطني، اليوم الاثنين، على الأحكام محل الخلاف بين غرفتي البرلمان بخصوص مشروع القانون المتعلق بتجريم الاستعمار الفرنسي للجزائر.

وجرت المصادقة خلال جلسة علنية ترأسها إبراهيم بوغالي، بحضور عبد المالك تاشريفت ممثلاً للحكومة، إلى جانب نجيبة جيلالي وعدد من أعضاء الطاقم الحكومي.

وأوضح مقرر اللجنة متساوية الأعضاء وممثل المجلس الشعبي الوطني محمد فوزي بن جاب الله، عقب عرض وزير المجاهدين، أن هذا النص يرمي إلى إرساء مقاربة تشريعية عادلة ومنصفة تصون كرامة الشعب الجزائري وتحفظ ذاكرته الجماعية من كل محاولات الطمس أو التشويه أو التحريف.

وأضاف أن القانون يجسد وفاء الدولة لتضحيات الشهداء والمجاهدين وسائر ضحايا الاستعمار، عبر مختلف مراحل المقاومة الشعبية والحركة الوطنية والكفاح من أجل التحرر من الاستعمار ونيل الحرية والاستقلال.

وأشار بن جاب الله إلى أن الحقبة الاستعمارية خلفت مآسي إنسانية جسيمة وجرائم وانتهاكات ممنهجة مست مختلف مناحي الحياة، من بينها القمع والتنكيل والتهجير القسري ونزع الملكيات والتفقير والتنصير والتجهيل وطمس الهوية الثقافية والحضارية للشعب الجزائري.

وأكد أن المناقشات والمداولات أولت عناية خاصة بالأحكام محل الخلاف، بما يتماشى مع مسعى تكريس الموقف السيادي للدولة الجزائرية في ملف الذاكرة.

ولفت إلى أن النص يعكس انتقال مطلب الاعتراف الرسمي بالجرائم الاستعمارية من مجرد التزام أخلاقي أو رمزي إلى إطار قانوني ومؤسساتي واضح.

وأشار مقرر اللجنة إلى أن أعضاءها صوتوا بالإجماع على المواد محل الخلاف، باستثناء صوت أو صوتين، قبل أن يؤكد رئيس المجلس أن التصويت النهائي جرى بالإجماع.

وذكرت “صحيفة الخبر” أن اللجنة البرلمانية متساوية الأعضاء أدخلت تعديلات عميقة وجوهرية على مشروع القانون، شملت إلغاء أحكام رئيسية وتعديل سبع مواد أخرى.

التعديلات على مشروع القانون

وفق التقرير النهائي، ألغت اللجنة المادة الأولى التي كانت تحمل طابعاً إنشائياً، كما ألغت المادة العاشرة المتعلقة بالتعويض بهدف إخراج ملف الذاكرة من دائرة المطالب المالية، انطلاقاً من مبدأ أن دماء الشهداء لا تقدر بثمن.

وشملت التعديلات كذلك إلغاء المادة 20 المتعلقة بحماية الرموز الوطنية والذاكرة، باعتبار أن هذه الحماية مكفولة ضمن قانون المجاهد والشهيد.

كما ألغت اللجنة المادة 25 الخاصة بالأملاك العقارية والتأميم، ضمن مراجعة شاملة لبعض الأحكام الواردة في المشروع.

وفي المقابل، شهدت المادة الخامسة تعديلاً بإضافة الواو قبل عبارة “الاستعباد الجنسي” لتضاف إلى قائمة الجرائم الاستعمارية المعترف بها في النص.

وتحدد هذه المادة، وفق الصياغة الجديدة، عدداً من الأفعال التي تعد جرائم استعمارية، من بينها العدوان على الدولة الجزائرية والقتل العمدي واستهداف المدنيين بالهجمات العسكرية والإعدام خارج نطاق القانون.

وتتضمن الجرائم أيضاً الاستخدام المفرط للقوة المسلحة واستعمال الأسلحة المحرمة دولياً وزرع الألغام إضافة إلى التجارب الكيميائية والتفجيرات النووية.

كما حذفت اللجنة مطلب الاعتذار من المادة التاسعة، مع الإبقاء على مطلب الاعتراف الرسمي من قبل الدولة الفرنسية بجرائمها، في خطوة تعزز الموقف الرسمي للجزائر في هذا الملف التاريخي.

وشملت التعديلات تبسيط وصف الخيانة في المادة السابعة عبر حذف عبارة “العظمى”، إلى جانب دمج المادتين 16 و21 لتوحيد عقوبة تمجيد الاستعمار.

وتنص الصياغة الجديدة على عقوبة سجن تصل إلى خمس سنوات لكل من يمجد الاستعمار، مع تشديد العقوبة في المادة 17 لتصل إلى عشر سنوات لكل من يروج للفكر الاستعماري في الأنشطة الأكاديمية أو الإعلامية.

ودافع التقرير عن عمل اللجنة في مواجهة الانتقادات التي أعقبت التحفظ على مطلبي الاعتذار والتعويض، مؤكداً أنها أولت عناية خاصة بالأحكام محل الخلاف بما يتماشى مع مسعى تكريس الموقف السيادي للدولة الجزائرية في ملف الذاكرة.

وأكدت اللجنة أن هذا التشريع يهدف إلى تثبيت الحقائق التاريخية وصون كرامة الشهداء، عبر نقل مطلب الاعتراف الرسمي بالجرائم الاستعمارية إلى إطار قانوني ومؤسساتي واضح.

وفي السياق ذاته، أوضح التقرير أن هذا المسعى ينسجم مع الموقف الرسمي للدولة كما أكده رئيس الجمهورية عبد المجيد تبون في خطابيه لسنتي 2024 و2025.

وأشار إلى أن مطالبة الجزائر لفرنسا بالاعتراف بجرائمها تندرج ضمن موقف سيادي مبدئي لا يقوم على التعويضات أو الاعتذار، بل على إقرار الحقيقة وتحمل المسؤولية الأخلاقية.

وللإشارة، شملت المواد محل الخلاف بين غرفتي البرلمان عدداً من المواد، من بينها الأولى والخامسة والسابعة والتاسعة والعاشرة والخامسة عشرة والسادسة عشرة والسابعة عشرة والثامنة عشرة والعشرون والحادية والعشرون.

ومن جانبه، اعتبر وزير المجاهدين وذوي الحقوق عبد المالك تاشريفت في عرضه أن هذا القانون يتجاوز كونه نصاً تشريعياً، مؤكداً أنه يمثل ميثاق وفاء لتضحيات الشهداء الأبرار وحصناً لحماية الذاكرة الوطنية وترسيخ قيم العدالة التاريخية.