الرئيسية » تحقيقات وتقارير » “زوج عيون”.. حكاية مسجد بالقصبة شيّده بحّار إيطالي

“زوج عيون”.. حكاية مسجد بالقصبة شيّده بحّار إيطالي

تشكل المساجد العتيقة جزء من تراث الجزائر وثقافتها وهويتها العربية والإسلامية لعراقتها ولقصص مذهلة كانت وراء تشييدها والتي تختلف من مسجد لأخر بحسب الحقب التاريخية التي مرّت بها بلادنا، في هذا الموضوع  نحط الرحال بالعاصمة وتحديدا بمسجد “علي بتشين” أو مسجد “زوج عيون” كما يسميه الجزائريون..وهذه حكاية أحد أهمّ مساجد القصبة الأثرية.

رغم أنّ جائحة كورونا “منعت” إقامة الصلوات في المساجد خوفا من عدوى انتشار الفيروس وتقيّدا بسياسة الوقاية التي طبقتها الحكومة، إلاّ أنّ الحديث عن ثلة من المساجد العتيقة التي كانت في “رمضانات” الفائتة تستقبل المصلين من كل حدّ وصوب يتطلب الوقوف عندها بإبراز عراقتها وتاريخ تشييدها وقصص تأسيسها كما هو الحال بالنسبة لمسجد “علي بتشين” أو “زوج عيون”.

ألبيركو بتشينيو .. “زوج عيون”

يقع مسجد “زوج عيون” المتاخم لساحة الشهداء، أسفل القصبة، يطل على حوض المتوسط شامخا وشاهدا على تاريخ الجزائر المحروسة ونضالها ضد الغزاة.

محيط المسجد لا تفارقه حركة الناس باستثناء هذه السنة بسبب وباء كورونا، فوجود محطة الحافلات على قربة منه ومحلات الألبسة والألبسة التقليدية والحلي والميترو جعله يعيش حركية دائمة لا تتوقف إلاّ مساء عند غروب الشمس.

وحسب مراجع تاريخية شيد المسجد في العام 1622 بأمر من القائد والأميرال الإيطالي ألبيريكو بتشينيو، الذي اعتنق الإسلام على يد رفيقه القائد فتح الله بن خوجة بن بيري سنة 1599. بعد أن وقع أسبرا في يد البحرية الجزائرية، ومع مرور القوت صار أحد أهم رجالاتها العسكريين والسياسيين.

وذكرت المصادر إنّ ” بن خوجة غّير اسم هذا الشاب من ألبير بوتشيني إلى علي بتشين، وتحت قيادته تعلم ونضج الشاب في قصر الرياس ليصبح قبطان سفينة، ثم مع مرور الزمن أصبح أدميرالا ما بين سنتي 1630 و1645.

كان بتشين يركب البحر ولا يخشى أمواجه، يخوض المغامرات والمعارك في مياه المتوسط ويحقق الانتصار تلو الأخر، حتى بلغ إيرلندا.

بعد غلق المسجد في وجه المصلين قرابة خمس سنوات، أعيد ترميمه من قبل الوزارة في إطار الحفاظ على المعالم الأثرية، حيث يتسع لحوالي 400 مصل داخل، بحيث مست عمليات الترميم قاعة الصلاة وبيت الوضوء والبلاط وبعض الجدران والنقوش والزخرفة.

يتفرد مسجد “زوج عيون” بمختلف أركانه وزواياه بهندسة مميزة بطابع إسلامي وعربي وأمازيغي، بحيث يضم مدخل الجامع بابا خشبيا بنيّ اللون به قطع حديدية دائرية تشه شكل الشمس، وسلالم قصيرة مصنوعة من الرخام، في حين تعلو الباب نقوش جبسية تزين السقف والأعمدة، وبالإضافة إلى الباب الرئيسي توجد 7 أبواب كبيرة هي عبارة عن محلات تجارية على جانبها الأيمن توجد عين ماء تقليدية تشكل مع أخرى زوج عيون.

من صيدلية إلى “سيدة النصر” وقصة المئذنة القصيرة

وتشكل المسجد من الداخل زخرفة فريدة بارزة في النقوش الإسلامية العربية، فقاعة الصلاة عبارة عن مربع فسيح الأرجاء، سعتها حوالي 400 شخص، تتوسطها قبة في السقف ذات شكل ثماني، وتحيط بها حوالي 20 قبة صغيرة الحجم تسمح بدخول أشعة الشمس (الضوء) إلى القاعة، التي مساحتها تقدر بـ500 متر مربع، وترتفع عن الطابق الأرضي الذي كان يضم 17 دكانا و3 غرف وفرن وحمام وطاحونة وفندق بحوالي 5 إلى 6 أمتار.

وتعلو المسجد مئذنة قصيرة ذات هندسة مغاربية لكون قاعدتها مربعة، وقصرها يعود بسبب تهديم الاستعمار الفرنسي لجزء منها عام 1860، بحيث كان ارتفاعها الأصلي 15 مترا وتحول بفعل الاستعمار 6 أمتار.

في سنة 1830 حُول المسجد إلى صيدلية مركزية وبعدها إلى كنيسة سميت بـ”نوتردام دو لافيكتوار” (سيدة النصر) وذلك عام 1843مما أفقد المعلم والمئذنة طابعهما المغاربي الإسلامي.

وبعد الاستقلال نُزع الصليب الذي كان على المئذنة التي تحتوي على نوافذ صغيرة وأقواس وتعود كما كانت رغم قصرها.

من مولّ بناء مسجد على بتشين؟

يقول المختص في تاريخ القصبة فوزي سعد الله إنّ الشخص الذي مَوَّل بناء هذا المسجد العتيق لم يكن شخصا عاديا..، لقد كان ثرّيا وما لم يجعله يتصور أبدا أن هذا العمل الخيري سيستولي عليه الفرنسيون ويعبثوا به كما يحلو لهم.

ووفق سعد الله الباحث الإسرائيلي تال شوفال (Tal Shuval) يعتقد أنّ هذا المسجد بني على موقع سجن أو قصر قديم”.

ويؤكد سعد الله في مقال نشره على صفحته الرسمية بـ”الفيسبوك” أنّه مهما بدا هذا الجامع اليوم متواضعا للعيان، فإنه يبقى مع ذلك من أقدم وأوسع وأجمل مساجد “البهجة”.

وأضاف: ” لولا التشوهات المتتالية التي تعرض لها عبر التاريخ. ورغم ذلك اشتهرت هذه البناية الدينية بالعين المحاذية لمدخلها وهي “عين الشارع”، كما كانتْ تُسمَّى في العهد العثماني وحتى بدايات القرن 20م، التي تقابل نظيرة لها وأصبح الحي بأكمله يحمل اسميْهما منذ عقود على الأقل: حومة (حي) الزوج عْيون”.

وأشار المتحدث إلى أنّ علي بتشين، رغم طموحاته السياسية في الاستيلاء على الحكم، أن يعمل لآخرته كما يعمل لدنياه، فبنى المسجد الذي لازال يحمل اسمه إلى اليوم بالقرب من ساحة الشهداء.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.