لم يكن صباح أولى أيام العمل في 2026 عاديا، ولم يكن عاما جديدا بدأ فحسب، بل كان بداية تقلب مفاجئ في السياسات والقرارات بشكل قلب حياة المواطنين رأسا على عقب.

عند مواقف الحافلات، اصطف المواطنون في صمت ثقيل، لا حافلات، لا مواعيد، ولا أي تفسير مقنع، منهم موظفون وطلبة وعمال اكتشفوا، منذ الساعات الأولى، أن الوصول إلى العمل أو الدراسة تحول إلى اختبار لا يمكن التنبؤ بنتائجه.

الشاب شمس الدين، موظف في مؤسسة خاصة في الشراقة، خرج من بيته في بني مسوس على الساعة السادسة والنصف صباحا، يحمل حقيبته على كتفه، وملامح القلق بادية على وجهه، اعتاد أن يلتحق بعمله قبل الثامنة، لكن هذا الصباح كان مختلفا وقف طويلا عند موقف الحافلات، يراقب الطريق الخالي، دقائق تمر كالساعات، ولا حافلة في الأفق، رن هاتفه، وتدفقت الرسائل من مديره يسأله عن حضوره، لكنه لم يرد، لأنه ببساطة لم يجد وسيلة تنقله.

مشهد هذا الموظف لم يكن استثناء، بل صورة تكررت في عشرات البلديات عبر الوطن اليوم، بعد أن دخل عدد كبير من الناقلين في إضراب عن العمل، شل حركة النقل العمومي، وحول حياة المواطنين إلى سلسلة من الانتظار والتوتر والارتباك.

شلل في النقل

شهدت ولايات الوطن اليوم توقف حركة النقل الجماعي، مع غياب كلي للحافلات في أغلب المحطات، سواء داخل المدن أو بين البلديات.

وهذا التوقف المفاجئ خلق حالة من الفوضى، خاصة أنه تزامن مع الدخول المدرسي والجامعي، ما حرم آلاف الموظفين والطلبة من الالتحاق بمقرات عملهم ومقاعد دراستهم.

في المحطات القليلة التي ظلت تعمل، تحولت الحافلات العمومية إلى علب معدنية مكتظة، ركاب متلاصقون، توازن هش، وأنفاس متقطعة، مواطنون يتشبثون بالأبواب، وآخرون يفضلون النزول والمشي كيلومترات على خوض تجربة تنقل غير إنسانية وسط جو شتوي وظروف قاسية.

إضراب ضحيته المواطن

الإضراب جاء كوسيلة ضغط من قبل الناقلين للمطالبة برفع تسعيرة النقل، والاحتجاج على مشروع قانون المرور الجديد الذي لم ينفذ بعد، رغم الدعوات التي وجهت إليهم من طرف ممثليهم والنقابات للتحلي بروح المسؤولية، خاصة في هذه الظرفية الحساسة.

وذلك بالرغم من إعلان مختلف النقابات الممثلة للناقلين عن توصلها، خلال اجتماع الجمعة الماضي، إلى اتفاق مع وزارة الداخلية والجماعات المحلية والنقل، بخصوص تسعيرة النقل، مع التأكيد على أن مشروع قانون المرور لا يزال قيد الدراسة والتعديل.

كما دعت النقابة الوطنية لناقلي سيارات الأجرة منتسبيها إلى استئناف العمل، تأمينا للدخول المدرسي بعد العطلة، غير أن توسع الإضراب، خاصة ليشمل خطوط النقل ما بين البلديات، عمق الأزمة، وألقى بظلاله الثقيلة على الحياة اليومية للمواطنين.

من يحمي حق التنقل؟

الإضراب، من حيث المبدأ، حق مهني، لكن تحوله إلى شلل شامل دون آليات تنظيم أو حد أدنى من الخدمة، يطرح أكثر من علامة استفهام.

كما أن القرارات الاقتصادية، مهما كانت مبرراتها، تفقد مشروعيتها حين تتخذ بمعزل عن الأثر الاجتماعي، ودون مرافقة أو بدائل.

وبين إضراب يشل الحركة، وقرارات اقتصادية تثقل الكاهل، وجد المواطن الجزائري نفسه محاصرا، ويستخدم كورقة ضغط من كل الجهات، موظفون مهددون بالخصم، طلبة متأخرون عن دروسهم معرضين للإقصاء، وعائلات تعيد حساباتها اليومية بدقة أكبر.

وعبر العديد من المواطنين عن استيائهم من استمرار الإضراب، معتبرين أن الخلافات المهنية والاقتصادية لا يجب أن تحل على حسابهم، مطالبين بتدخل عاجل من الجهات الوصية لاحتواء الوضع، وضمان استمرارية خدمة النقل العمومي، باعتبارها شريانا أساسيا للحياة الاقتصادية والاجتماعية.

2026 عام زيادة الأسعار

لم يكن شلل النقل هو الصدمة الوحيدة، فمع بداية السنة الجديدة 2026، فوجئ الجزائريون بزيادة غير متوقعة في أسعار الوقود، تم الإعلان عنها ليلة رأس السنة ليس بمنشورات ولا بتقارير إعلامية بل على شاشات مضخات الوقود بمحطات التعبئة.

وبذلك ارتفع سعر البنزين، والمازوت، وغاز البترول المميع، لتؤكد الحكومة لاحقا أن الأمر يدخل في إطار ضبط السوق، غير أن ما غاب عن هذا التبرير هو الأثر الاجتماعي المباشر، في بلد يعتمد جزء كبير من سكانه على النقل اليومي، سواء للعمل أو الدراسة أو قضاء الحاجيات الأساسية.

وبموجب التسعيرة الجديدة، ارتفع سعر لتر البنزين الخالي من الرصاص إلى 47 دينارًا بدل 45.62، والمازوت إلى 31 دينارا بدل 29.01، فيما قفز سعر غاز البترول المميع من 9 دنانير إلى 12 دينارا.

زيادة انتشرت أخبارها بسرعة عبر مواقع التواصل الاجتماعي، قبل أن تؤكدها محطات الوقود بعد تلقيها مراسلة رسمية من سلطة ضبط المحروقات.

وهذه الزيادة، وإن بدت محدودة، إلا أن وقعها النفسي والاجتماعي كان كبيرا، خاصة في ظل قدرة شرائية تتآكل تدريجيا.

“تأثير الدومينو”

الخبير الاقتصادي فارس مسدور حذر من الأثر غير المباشر لارتفاع أسعار الوقود، مؤكدا أن الأمر لا يقتصر على تكلفة التنقل فقط، بل يمتد ليشمل أسعار الخدمات والمنتجات، فيما وصفه بـ”تأثير حجرة الدومينو”.

وأوضح أن الزيادة، وإن بدت بسيطة في بدايتها، إلا أن تراكمها الشهري سيؤثر بوضوح على دخل الأسر، كما ستنعكس حتما على أسعار تذاكر النقل وسيارات الأجرة.

ومن جهته، اعتبر الخبير الاقتصادي هواري تيغرسي أن المواطن لا يشتري الوقود فقط، بل يشتري منظومة كاملة من الخدمات والسلع المرتبطة به، مشيرا إلى أن الزيادة ستؤدي إلى تآكل جزئي في القدرة الشرائية، خاصة لدى الأسر ذات الدخل المتوسط وسكان الضواحي الذين يعتمدون بشكل كبير على التنقل اليومي.

الأمل المؤجل

في ظل هذا المشهد، لا يطالب المواطن البسيط بالكثير: فقط أن يصل إلى عمله، أن يدرس أبناؤه، وأن لا يتحول كل صباح إلى اختبار صبر جديد، لكن إلى أن تفصل الاجتماعات والبيانات في الأزمة وتتوصل الجهات الوصية لإجراءات ملموسة، سيبقى السؤال معلقا: هل بدأ عام 2026 بإصلاح الإختلالات أم بتكريسها؟