حلّ الرئيس عبد المجيد تبون بولاية بشار للإشراف على تدشين السكة الحديدية المنجمية، في محطة مفصلية تعلن رسميا دخول منجم غارا جبيلات مرحلة الاستغلال الصناعي، بعد عقود من الانتظار.

الزيارة، حظيت بمتابعة سياسية وإعلامية واسعة، تعكس رهان السلطة على البنى التحتية الثقيلة كرافعة لإعادة تشكيل الاقتصاد الوطني وتعزيز استقلاله الاستراتيجي.

ويمثل الخط الحديدي المنجمي الغربي، الممتد على قرابة 950 كيلومترًا بين بشار وبني عباس وتندوف وغارا جبيلات، أحد أضخم مشاريع النقل القاعدي التي أنجزتها الجزائر في السنوات الأخيرة.

وقد صُمّمت السكة الحديدية لتكون شريانا حيويا لنقل خام الحديد نحو مناطق التحويل، إلى جانب دعم حركة البضائع والمسافرين في الجنوب الغربي، بما يفتح آفاقًا تنموية جديدة لمناطق ظلت لعقود خارج الديناميكية الاقتصادية الكبرى.

ويبلغ طول القطار الذي سينقل خام الحديد أكثر من كيلومترين، مكوّن من أربع مقطورات و170 عربة بإجمالي 17 ألف طن، ومن المتوقع أن يقوم بعشر رحلات يومية، ما يجعل المشروع متكاملاً اقتصادياً ولوجستياً.

من قلب الصحراء… الجزائر تُطلق أحد أكبر المشاريع المنجمية في إفريقيا

ورغم الطبيعة الصحراوية القاسية للمسار، أُنجز المشروع في ظرف قياسي لم يتجاوز عامين، وفق معطيات الوكالة الوطنية للدراسات ومتابعة إنجاز الاستثمارات في السكك الحديدية.

الأشغال شملت تهيئة هندسية واسعة، تجاوزت 75 مليون متر مكعب من الحفر والردم، بما يضمن قدرة الخط على استيعاب قطارات ثقيلة مخصصة لنقل المعادن، وفق معايير تقنية صارمة.

ولم يقتصر المشروع على مدّ السكة فقط، بل شمل إنجاز منظومة منشآت فنية متكاملة، من بينها 45 جسرًا بطول إجمالي يقارب 20 كيلومترًا، أبرزها جسر وادي الدورة المصنف ضمن الأطول من نوعه في الجزائر وإفريقيا.

كما أُنجزت عشرات الممرات والمنشآت الخاصة بتصريف المياه، تحسبًا للسيول الموسمية التي تميز المنطقة.

ويضم الخط سبع محطات رئيسية موزعة على ولايات الجنوب الغربي، إلى جانب عشرات نقاط التقاطع اللوجستي، ما يسمح بتنظيم حركة القطارات ورفع فعالية النقل المنجمي والتجاري. ومن المرتقب أن يشهد الخط حركة يومية مكثفة، تشمل قطارات لنقل خام الحديد والبضائع، وأخرى مخصصة للمسافرين بسرعات متفاوتة.

وبالتوازي مع مشروع النقل، يجري استكمال محطة طاقة شمسية بقدرة 200 ميغاواط في منطقة غارا جبيلات، لتأمين احتياجات المنجم والمنشآت الصناعية المرتبطة به.

كما تُحضَّر مشاريع طاقوية إضافية، تشمل محطة تعمل بالتوربينات الغازية ومحطة شمسية ثانية، لضمان تموين مستقر طويل الأمد، للمنجم ومدينة تندوف والمشاريع الاقتصادية المستقبلية، بما فيها المنطقة الحرة والمعبر الحدودي.

وينتظر أن يستكمل هذا المسار القاعدي بإنجاز مركب للحديد والصلب في ولاية بشار، مخصص لإنتاج قضبان السكك والهياكل المعدنية اعتمادًا على خام غارا جبيلات.

وفي هذا الإطار، جرى توقيع شراكة بين المؤسسة الوطنية للحديد والصلب ومجمع توسيالي التركي لإنشاء وحدة لإنتاج مركزات خام الحديد بطاقة نصف مليون طن سنويًا، باستثمار يناهز 150 مليون دولار.

تسعى الجزائر من خلال مشروع غارا جبيلات إلى تقليص فاتورة استيراد خام الحديد، المقدرة بنحو مليار دولار سنويًا، والتحول إلى فاعل مؤثر في سوق الحديد والصلب.

ومع احتياطي يُقدّر بـ3.5 مليارات طن، ومساحة تفوق 40 ألف هكتار، يرسّخ المنجم موقعه كأحد أكبر المشاريع الاستراتيجية في الجنوب الغربي، وكنقطة تحوّل في مسار تنويع الاقتصاد الوطني.