أعلنت السلطات في جمهورية الكونغو الديمقراطية تسجيل تفش واسع لفيروس إيبولا من سلالة بونديبوجيو، مع امتداده إلى مقاطعة باس-أويلي، لترتفع المقاطعات المتضررة إلى ست، فيما تجاوز عدد الحالات المؤكدة في البلاد 4600 حالة وتخطت الوفيات 2100 حالة، وسط تحذيرات من استمرار الانتشار بوتيرة أسرع من قدرة فرق الاستجابة على احتوائه.
تفش يتوسع جغرافيا
أكدت منظمة الصحة العالمية أن التفشي الحالي يمر بمرحلة انتقال مكثف، وأصبح أكبر تفش لفيروس إيبولا تسجله الكونغو الديمقراطية، كما يتوسع بسرعة أكبر من أي تفش سابق في البلاد.
وبحسب أحدث بيانات المنظمة، حتى 12 أوت 2026، سجلت الكونغو الديمقراطية 4665 إصابة مؤكدة و2184 وفاة، بنسبة وفيات بلغت 46.8 بالمئة، إضافة إلى تسجيل 965 حالة تعافٍ.
وامتد الفيروس إلى 54 منطقة صحية موزعة على ست مقاطعات، هي إيتوري وكيفو الشمالية وكيفو الجنوبية وهوت-أويلي وتشوبو وباس-أويلي، بعدما كانت بؤرة التفشي الأولى محصورة في منطقة مونغبوالو الصحية بإيتوري.
وسجلت باس-أويلي أول حالة مؤكدة في منطقة بوتا الصحية، بعد إصابة شخص له تاريخ سفر إلى مقاطعة هوت-أويلي وظهور الأعراض عليه في 4 أوت، ما دفع السلطات إلى تكثيف عمليات الترصد والتحقيق الوبائي وتتبع الأشخاص الذين خالطوه.
وكان المتوفى قد انتقل من مدينة إيسيرو إلى بوتا، عاصمة باس-أويلي، قبل أن يفارق الحياة، وهو ما عزز مخاوف السلطات من انتقال الفيروس بين مناطق مختلفة عبر حركة السكان.
وتظهر هذه الحالة مدى ارتباط التفشي الحالي بحركة التنقل، خصوصا أن إيتوري لا تزال البؤرة الرئيسية، بينما تراقب منظمة الصحة العالمية مخاطر انتقال إضافي نحو مناطق أخرى في شمال كيفو وهوت-أويلي وتشوبو.
أرقام قياسية للوباء
أظهرت بيانات منظمة الصحة العالمية أن الأسبوع الوبائي الممتد من 3 إلى 9 أوت سجل أعلى حصيلة أسبوعية منذ بداية التفشي، بـ579 حالة مؤكدة و304 وفيات، ما يعكس تسارع وتيرة انتقال العدوى.
وتشير بيانات المنظمة إلى أن إيتوري وحدها تستحوذ على نحو 85 بالمئة من الحالات المؤكدة في البلاد، بواقع 3979 حالة من أصل 4665، إضافة إلى 1726 وفاة من أصل 2184 وفاة مسجلة.
وفي آخر 24 ساعة من البيانات المتاحة، تم تسجيل 100 حالة مؤكدة جديدة في 22 منطقة صحية موزعة على المقاطعات المتضررة، باستثناء كيفو الجنوبية، وكانت إيتوري الأكثر تسجيلا للحالات الجديدة.

انتشار العدوى
تواجه فرق الاستجابة صعوبة متزايدة في ملاحقة جميع سلاسل انتقال الفيروس، إذ أفادت تقارير بأن نسبة مهمة من الحالات الجديدة تظهر خارج قوائم الأشخاص الذين كانوا يخضعون لمتابعة فرق تتبع المخالطين.
ويعني ذلك أن الفيروس قد يكون انتقل إلى أشخاص لم يتم التعرف إليهم خلال المراحل الأولى من التحقيقات، ما يتيح ظهور سلاسل جديدة للعدوى قبل اكتشافها.
وتؤكد منظمة الصحة العالمية أن سرعة التعرف على الحالات وعزلها وتتبع المخالطين تمثل عوامل حاسمة في كسر سلاسل الانتقال، في وقت لا يزال فيه التفشي يتوسع إلى مناطق جديدة.
وترجح التحقيقات الوبائية أن فيروس بونديبوجيو ربما كان ينتشر في بعض المناطق قبل اكتشاف التفشي والإعلان عنه رسميا.
ويستند هذا التقييم إلى مراجعة حالات مرض ووفيات سابقة، إلى جانب تحقيقات ميدانية تهدف إلى إعادة بناء مسارات انتقال العدوى وتحديد الحالات التي ربما لم تصل إلى المرافق الصحية أو لم يتم تشخيصها في وقتها.
وحذرت المنظمة من أن التأخر في اكتشاف الحالات وعزلها يمكن أن يسمح بانتقال العدوى داخل الأسر وبين العاملين الصحيين والمخالطين، بما يؤدي إلى نشوء سلاسل متعددة قبل التعرف على مصدرها.
الأمن يعقد المواجهة
لا تجري عمليات احتواء الفيروس في ظروف عادية، إذ تتزامن الأزمة الصحية مع انعدام الأمن والنزوح الواسع وحركة السكان، إضافة إلى صعوبة الوصول إلى بعض المناطق والحركة عبر الحدود.
وأكدت منظمة الصحة العالمية أن الهجمات على المرافق الصحية والاضطرابات الأمنية أعاقت وصول فرق الاستجابة وعرقلت عمليات الترصد والعلاج، كما دفعت بعض الأشخاص إلى التردد في طلب الرعاية الصحية.
ومنذ إعلان حالة الطوارئ الصحية العامة ذات الاهتمام الدولي في 17 ماي، تم تسجيل 12 هجوما على الرعاية الصحية، وفق أحدث بيانات المنظمة.
كما يشكل انتقال العدوى إلى العاملين الصحيين مصدر قلق إضافيا، حيث سجلت 155 إصابة مؤكدة بينهم، بينها 45 وفاة، منذ بداية التفشي وحتى 9 أوت.
لا لقاح معتمدا
يشكل نوع الفيروس المسبب للتفشي تحديا إضافيا، إذ يتعلق الأمر بفيروس بونديبوجيو، وهو أحد أنواع فيروس إيبولا، ولا يوجد حاليا لقاح مرخص ومثبت الفعالية خصيصا ضده، كما لا يتوفر علاج نوعي معتمد يستهدف الفيروس مباشرة.
وتعمل منظمة الصحة العالمية على تقييم لقاحات وعلاجات مرشحة، كما بدأت تجربة سريرية لعلاج محتمل في 2 جويلية، بينما أوصت مجموعة الخبراء التقنية التابعة للمنظمة بإعطاء الأولوية للقاح Ervebo، المرخص أساسا ضد فيروس إيبولا من نوع زائير، ضمن تجربة سريرية في سياق التفشي الحالي.
وتوسعت إجراءات الاستعداد إلى الدول المجاورة والمناطق الأكثر عرضة لخطر انتقال الفيروس، خصوصا أوغندا التي سبق أن سجلت حالات مستوردة مرتبطة بالتفشي في الكونغو الديمقراطية.
وحتى 12 أوت، سجلت أوغندا 20 حالة مؤكدة، فيما غادرت آخر حالة وافدة مركز العلاج في 16 جويلية، ومن المقرر انتهاء فترة المراقبة المعززة لمدة 42 يوما في 27 أوت، مع استمرار خطر عودة ظهور الفيروس بسبب استمرار انتقاله في الكونغو الديمقراطية وحركة السكان عبر الحدود.

جاهزية إفريقية متباينة
في إطار تعزيز الاستعداد، تعمل منظمة الصحة العالمية مع الدول الإفريقية على تقييم جاهزيتها لمواجهة أي انتقال محتمل للفيروس، من خلال خطط الطوارئ وتقييم المخاطر والتدريبات الميدانية وتعزيز التنسيق عبر الحدود.
وأفادت المعطيات التي قدمها خبراء المنظمة بأن 30 دولة من أصل 47 دولة في الإقليم الإفريقي أكملت تقييمات الجاهزية، أي نحو 64 بالمئة، فيما رفعت غالبية الدول المصنفة ضمن أعلى مستويات الخطورة نتائج تقييماتها إلى المنصة الإلكترونية المخصصة لذلك.
وتشمل الأولويات تعزيز الترصد الوبائي، ورفع جاهزية المعابر الحدودية ونقاط الدخول، وإجراء تدريبات محاكاة، وتخزين الإمدادات الطبية مسبقاً في المناطق ذات الأولوية.
ورغم تكثيف عمليات الاستجابة، ترى منظمة الصحة العالمية أن حجم التفشي وسرعة انتشاره يفرضان توسيع التدخلات بوتيرة أكبر، مع التركيز على اكتشاف الحالات مبكرا وقطع سلاسل العدوى والعمل مع المجتمعات المحلية.
وتواصل السلطات الكونغولية، بدعم من منظمة الصحة العالمية وشركائها، توسيع الترصد والفحوص المخبرية وتتبع المخالطين والعزل والرعاية الصحية والدفن الآمن، إلى جانب تعزيز الوقاية ومكافحة العدوى.



لا يوجد تعليقات بعد! كن أول المعلّقين