بعد أكثر من ثلاثة عقود من العمل في مناطق شهدت اعتداءات وكوارث طبيعية، يقول الجرّاح الأمريكي مارك بيرلموتر إن تجربته في قطاع غزة كانت الأكثر قسوة في مسيرته المهنية.
بيرلموتر، المتخصص في جراحة العظام، عمل في أكثر من 30 بلدا، وشارك في مهمات طبية أعقبت هجمات 11 سبتمبر 2001 في الولايات المتحدة، وإعصار كاترينا في لويزيانا، والزلزال المدمر الذي ضرب هايتي.
لكن ما واجهه في غزة، وفق روايته لوكالة فرانس برس، تجاوز كل تلك التجارب.
يقول بيرلموتر: “أسبوعنا الأول في غزة كان لوحده أسوأ من كل تجاربي مجتمعة”.
وتشكّل شهادة بيرلموتر إلى جانب طبيبين أميركيين آخرين محور الفيلم الوثائقي “أميركان دكتور” (الطبيب الأمريكي)، الذي عرض للمرة الأولى في مهرجان ساندانس السينمائي مطلع 2026، ويبدأ عرضه في دور السينما الأمريكية اعتبارا من الجمعة.
الفيلم هو أول عمل وثائقي للمخرجة بو سي تينغ، التي اختارت متابعة تجربة ثلاثة أطباء من خلفيات دينية وثقافية مختلفة خلال عملهم في مستشفيات غزة، في محاولة لتوثيق ما عاشوه داخل القطاع وخارجه.
ويضم الثلاثة بيرلموتر، وهو يهودي، وطبيب الطوارئ ثائر أحمد، وهو مسلم من أصل فلسطيني، وفيروز سيدوا، المولود لوالدين زرادشتيين.
من غرفة العمليات إلى سؤال الحرب
يرى سيدوا أن النقاش حول الحرب في غزة غالبا ما يتحول إلى سجال طويل حول تاريخ الصراع العربي الإسرائيلي، بينما يعتقد أن هناك أسئلة إنسانية أكثر مباشرة.
ويقول: “يشعر الناس بأنهم يحتاجون إلى شهادة دكتوراه في هذا الموضوع لكي يفهموه أو يناقشوه بعقلانية”.
ثم يضيف: “لكن السؤال ليس ما تعرف عن تاريخ العرب والإسرائيليين، بل: هل تؤيد قتل الأطفال أم لا؟ هل تؤيد تعذيب الأطباء أم لا؟ هل تؤيد قصف المستشفيات أم لا؟”.
وتأتي هذه الشهادات في سياق العدوان الهمجي الذي يقوم به جيش الاحتلال الإسرائيلي على قطاع غزة منذ أكتوبر 2023.
وبحسب بيانات رسمية “إسرائيلية”، أسفر هجوم حماس في 7 أكتوبر عن مقتل 1221 شخصا. وفي المقابل، تقول وزارة الصحة في غزة إن حصيلة حرب الإبادة التراكمية في قطاع غزة أودت بحياة أكثر من 73 ألف شهيدا، وأكثر من 174 ألف مصابا، وهي أرقام تعتبر الأمم المتحدة أنها موثوقة.
وأقر جيش الاحتلال الصهيوني باستهداف مستشفيات ومنشآت طبية، مبررا ذلك باتهام حماس باستخدامها لأغراض عسكرية، وهو ما تنفيه الحركة الفلسطينية.
ويقول الأطباء الثلاثة في الفيلم إنهم لم يشاهدوا أنفاقا داخل أي من المستشفيات التي عملوا فيها في غزة.
“الضربة المزدوجة” في مستشفى ناصر
يوثق الفيلم واحدة من أكثر اللحظات إيلاما في الحرب، حين تعرض مسعفون لقصف “إسرائيلي” أثناء محاولتهم إنقاذ مصابين في مستشفى ناصر بخان يونس، بعد ضربة سابقة استهدفت المكان نفسه بوقت قصير.
ومن خلال هذه المشاهد، ينتقل الفيلم بين غرف العمليات والممرات المكتظة بالمصابين، متابعا جهود الأطباء لمعالجة الإصابات الجسدية والنفسية التي خلفتها الحرب.
ويظهر الأطباء وهم يتعاملون مع حالات بتر الأطراف والجروح المفتوحة، بالتعاون مع الطواقم الطبية الفلسطينية، فيما يحاولون في الوقت نفسه نقل ما شاهدوه إلى دوائر صنع القرار في واشنطن وإلى وسائل الإعلام الأميركية والإسرائيلية.
ولا تتوقف الصعوبات عند حدود المستشفيات. فالفيلم يوثق أيضا محاولات إدخال مستلزمات طبية إلى القطاع، بينها ملابس العمليات والمضادات الحيوية، في ظل القيود المفروضة على دخول المواد الطبية، فضلا عن رفض السلطات الإسرائيلية السماح للأطباء بالدخول في بعض الحالات.
معضلة عرض صور الضحايا
واجهت المخرجة بو سي تينغ معضلة صعبة خلال إنتاج الفيلم: كيف يمكن عرض حجم المأساة الإنسانية من دون تحويل معاناة الضحايا إلى مشاهد صادمة تفقد تأثيرها؟
وتقول تينغ، التي عملت سابقا مصورة صحافية مع فرانس برس ومؤسسات إعلامية أخرى: “إذا أظهرت الكثير، يصبح الأمر فظا، ولن يشاهد أحد الفيلم، ومع ذلك تريد أن تكون فعالا في قول الحقيقة. وإذا أظهرت القليل، فلن يكون الأمر حقيقيا”.
وتتحول هذه المعضلة إلى جزء من قصة الفيلم نفسه.
ففي إحدى اللحظات، ترى تينغ أن عرض صور أطفال قتلوا في الحرب قد يشكل مساسا بكرامتهم، وهو ما يرفضه بيرلموتر، الذي يرى أن إخفاء تلك الصور قد يحجب حقيقة ما يحدث عن الجمهور الأمريكي.
ويقول لها: “إسرائيل سلبتهم كرامتهم… أنت لا تصونين كرامتهم ما لم تدعي ذكراهم وأجسادهم تروي قصة هذه الصدمة، هذه الإبادة الجماعية. أنت لا تسدين لهم خدمة بعدم إظهار ذلك”.
وتقول تينغ إن تلك اللحظة غيرت نظرتها إلى طريقة تناول المأساة، مضيفة: “في تلك اللحظة أدركت ألا مكان للأمر الوسط هنا”.
من غزة إلى واشنطن
إلى جانب العمل الطبي، يخوض الأطباء الثلاثة معركة أخرى لإيصال شهاداتهم إلى الجمهور وصناع القرار في الولايات المتحدة.
ويقولون إن تكرار الحديث عن الوضع الإنساني في غزة خلال المقابلات الإعلامية والاجتماعات مع أعضاء الكونغرس كان مرهقا، خصوصا عندما لا يقود إلى تغيير ملموس في المواقف.
ويقول ثائر أحمد: “إذا قلت لك إن هناك أطفالا يتضوّرون جوعا، أو أمهات يكافحن لإطعام أطفالهن، أو مراهقين يُقتلون بهذه القنابل الضخمة، فيجب أن يكون ردّك: يجب أن نوقف هذا”.
ويضيف: “لا ينبغي أن تقول لي: لكن ماذا كانوا يفعلون، أو أين كانوا، أو ما خلفيتهم؟ ما دينهم أو أين ولدوا؟”.
وتكشف تينغ أن إنتاج الفيلم واجه صعوبات في التمويل، إذ تردد عدد من الجهات في دعم مشروع يوثق الأضرار التي تخلفها الذخائر الإسرائيلية، والتي تمول الولايات المتحدة جانبا منها.
ومع ذلك، تقول المخرجة إنها بدأت تلاحظ مؤشرات على تغير في طريقة التعامل مع الحرب، وتأمل أن يساهم الفيلم في دفع هذا التحول.
ويشاركها بيرلموتر هذا التفاؤل، مستخدما صورة مجازية لوصف الطريقة التي يمكن أن تنتشر بها الحقيقة تدريجيا.
ويقول: “الانهيار الثلجي الذي يبدأ بنُدَف الثلج… أنا متفائل بأننا نُدف في كرة ثلج تكبُر”.



لا يوجد تعليقات بعد! كن أول المعلّقين