لم يكن معرض الإنتاج الجزائري، الذي احتضنه قصر المعارض “صافكس”، مجرّد تظاهرة اقتصادية عادية، بل تحوّل إلى مناسبة لفتح نقاش علني حول بعض ممارسات الاستيراد، في ظل توجه رسمي واضح نحو تشجيع الإنتاج المحلي وتقليص الواردات.
المعرض، الذي افتتحه رئيس الجمهورية عبد المجيد تبون يوم 18 ديسمبر، شكّل مناسبة لتأكيد خيار التصنيع المحلي كمسار استراتيجي، وهو الخط نفسه الذي شدد عليه الوزير الأول، سيفي غريب، خلال زيارته للحدث رفقة عدد من الوزراء، داعيًا المؤسسات إلى الاستثمار في الإنتاج داخل الجزائر بدل الارتهان للواردات.
غير أن الأنظار اتجهت، أمس الإثنين، إلى جولة وزير التجارة الخارجية وترقية الصادرات، كمال رزيق، رفقة وزيرة التجارة الداخلية وضبط السوق الوطنية، أمال عبد اللطيف، بعد تداول مقطع مصوّر على نطاق واسع يوثّق نقاشا لافتا بين رزيق وأحد المتعاملين الاقتصاديين.
وخلال الزيارة، طرح وزير التجارة الخارجية سؤالا مباشرا على أحد العارضين حول قدرة أسعاره على المنافسة، فجاء الرد مترددا ومثيرا للجدل، حين قال المعني إن أسعاره “تنافسية إلى حد ما”، رابطًا ذلك بتقلبات سعر صرف الدينار.
هذا الجواب لم يمر مرور الكرام، حيث ردّ كمال رزيق متسائلا عن سبب الحديث عن سعر الصرف، رغم أن عمليات الاستيراد تتم وفق السعر الرسمي المعتمد من طرف الدولة، قبل أن يطرح سؤالا أكثر وضوحًا: هل يتم الاستيراد بالسعر الرسمي أم بسعر السوق الموازية؟
تساؤل الوزير حول السعر المرجعي المعتمد في الاستيراد أعاد إلى الواجهة إشكالية المعايير المعمول بها، خاصة في ظل حديث متكرر عن فجوة قائمة بين الخطاب الاقتصادي والممارسات الميدانية لبعض المتعاملين.
هذا النقاش، الذي سرعان ما انتشر على مواقع التواصل الاجتماعي، يسلّط الضوء على تحديات أعمق تتعلق بشفافية السوق، وآليات تسعير المنتجات المستوردة، ومدى انسجامها مع السياسة الاقتصادية الرامية إلى حماية الإنتاج الوطني وضبط التجارة الخارجية.
وتعليقا على الحوار بين الوزير والمستورد كتب رئيس منظمة حماية المستهلك مصطفى زبدي: “ما حدث هو انعكاس لذهنية ما تزال ترى في تقلبات السوق الموازية شماعة جاهزة لرفع الأسعار، حتى عندما توفّر الدولة العملة الصعبة عبر القنوات الرسمية، وتمنح تسهيلات واضحة للاستيراد المنظم”.
وأضاف: “هذه الحادثة تعكس بوضوح التحول في تعاطي الدولة مع ملف التجارة الخارجية، لم يعد مقبولًا التلاعب بالمصطلحات، ولا الاحتماء خلف أعذار واهية لتبرير الغلاء. كما تؤكد أن زمن الكلام العام قد انتهى، وأن مرحلة المساءلة الدقيقة، حتى عبر سؤال بسيط، قد بدأت.”
بالمقابل، يرى حسين دلحو أن “الدولة لا تمول المتعامل الاقتصادي كفاية بالعملة الصعبة، ولا تبيعه ما يلزمه لنشاطه، فيضطر إلى تسديد الفارق من السوق السوداء”.



لا يوجد تعليقات بعد! كن أول المعلّقين