لم يأتِ هذا النقاش من فراغٍ نظري أو تأملٍ تجريدي، بل انبثق من ملاحظة ميدانية مباشرة أثناء أداء واجب الحراسة في امتحانات الطلبة الجامعيين. ففي لحظة تبدو عادية وروتينية، حين يوقّع الطلبة والطالبات في بداية الامتحان لإثبات الحضور، ثم يعيدون التوقيع في نهايته عند تسليم ورقة الإجابة، لفت الانتباه أمرٌ يكاد يبلغ حدّ المفارقة: الغالبية الساحقة من التوقيعات كانت باللغة الفرنسية، دون استثناء يُذكر، وبلا تردّد أو وعي ظاهر بدلالة هذا الاختيار.
عندها لم يعد الأمر مجرد إجراء إداري، بل تحوّل إلى مشهد دالّ على نوع من الغربة الرمزية العجيبة؛ غربة الاسم عن لغته، وغربة الذات عن تمثّلها الطبيعي. هذا الاكتشاف، الذي تكرّر عبر أكثر من قاعة وأكثر من فوج، هو الذي دفع إلى مساءلة الظاهرة بوصفها علامة ثقافية تستحق التحليل، لا من باب الاستغراب العاطفي، بل من زاوية فهم الأسباب العميقة التي جعلت فعل التوقيع – أحد أكثر الأفعال التصاقًا بالهوية الفردية – يتم خارج لغته الأصلية، وكأنه اختيار بديهي لا يُفكَّر فيه.
لا يُعدّ التوقيع الشخصي فعلًا إداريًا محايدًا أو حركة خطية عابرة، بل هو ممارسة رمزية كثيفة الدلالة، تختزل علاقة الفرد بذاته، وباللغة، وبالانتماء الثقافي والحضاري الذي يتحرك ضمنه. فالإمضاء، من منظور سيميائي واجتماعي، هو إعلان هوية، وتمثيل للذات في الفضاء العام، وتثبيت رمزي للاسم بوصفه علامة وجود واعتراف. من هذا المنطلق، تثير ظاهرة لجوء الغالبية الساحقة من الطلبة الجامعيين إلى التوقيع باللغة الفرنسية – بنسبة تكاد تلامس الإجماع – تساؤلات عميقة تتجاوز حدود الاختيار الشخصي لتلامس بنية الوعي اللغوي والتمثلات الثقافية في المجتمع.
أول ما يلفت الانتباه في هذه الظاهرة هو طابعها “اللاواعي”؛ فعدد كبير من الطلبة لا يتعامل مع توقيعه الفرنسي بوصفه اختيارًا مدروسًا، بل كأمر بديهي لا يُسأل عنه. وهذا ما يكشف أن المسألة ليست لغوية فحسب، بل هي نتيجة تراكم تاريخي طويل بدأ مع المرحلة الاستعمارية، حيث فُرضت الفرنسية لغة إدارة، ورمزية سلطة، ومفتاحًا للترقي الاجتماعي. ورغم الاستقلال السياسي، استمر هذا الإرث في إنتاج نفسه داخل المؤسسات التعليمية، وفي الذهنيات الفردية، حتى غدا التوقيع بالفرنسية تعبيرًا عن “الطبيعي” و”المألوف”.
ويُضاف إلى العامل التاريخي عاملٌ نفسي-اجتماعي لا يقل تأثيرًا، يتمثل في تمثلٍ سلبي للخط العربي وللعربية الفصحى لدى بعض الطلبة، حيث يُنظر إليها كلغة ثقيلة، رسمية، أو غير “عصرية”، مقابل تمثل الفرنسية كلغة أناقة، تنظيم، وحداثة. هذه الثنائية الوهمية تجعل التوقيع بالعربية يُختزل – ظلمًا – في كونه أقل قيمة رمزية، رغم ما تحمله العربية من عمق حضاري وجمالي وقدرة عالية على التعبير عن الهوية الفردية والجماعية.
كما لا يمكن إغفال أثر المنظومة التعليمية نفسها، التي غالبًا ما تعطي أولوية وظيفية للفرنسية في التكوين الجامعي، خاصة في التخصصات العلمية والتقنية، دون أن تواكب ذلك بسياسة واعية لترسيخ الاعتزاز باللغة الوطنية في ممارسات الحياة اليومية. فالطالب الذي يدرس، ويملأ استمارات، ويتعامل إداريًا بلغة أجنبية، يجد نفسه – تلقائيًا – يوقع بها، وكأن الإمضاء امتداد مباشر للغة المؤسسة لا للغة الذات.
غير أن الأخطر في هذه الظاهرة ليس مجرد استعمال الفرنسية في التوقيع، بل تحوّل ذلك إلى مؤشر على تصدع العلاقة بين الطالب ورموزه الثقافية. فحين يصبح الاسم العربي يُكتب ويُوقع بحروف أجنبية، فإننا نكون أمام نوع من “الترجمة القسرية للذات”، حيث تُعاد صياغة الهوية وفق منطق لغوي مهيمن، لا وفق اختيار حرّ واعٍ.
من هنا، فإن تصحيح هذا الوضع لا يكون عبر خطاب الاتهام أو الإلزام القسري، بل عبر بناء وعي جديد بدلالة التوقيع ذاته. فالمطلوب أولًا إعادة الاعتبار للإمضاء بوصفه فعلًا ثقافيًا لا شكليًا، وتعريف الطلبة – ضمن مساقات الثقافة العامة أو مهارات الاتصال – بالبعد الرمزي للغة في الحياة اليومية. كما أن تشجيع تحسين الخط العربي، وتبسيط علاقته بالطالب الجامعي، يمكن أن يحوّل التوقيع بالعربية من عبء إلى مساحة تعبير جمالي عن الذات.
وفي السياق ذاته، تبقى الحرية الفردية مبدأً أساسيًا لا يجوز مصادرته؛ غير أن الحرية الحقيقية لا تتحقق إلا بوجود وعي بالاختيارات الممكنة ومعانيها. فالتوقيع بالعربية ليس رفضًا للغات الأجنبية، ولا انغلاقًا ثقافيًا، بل هو فعل تصالح مع الذات اللغوية، وتأكيد على أن الحداثة لا تُقاس بلغة التوقيع، بل بقدرة الفرد على امتلاك أدواته الرمزية بثقة واستقلال.
ختامًا، يمكن القول إن ظاهرة التوقيع بالفرنسية لدى الطلبة الجامعيين ليست مسألة شكلية هامشية، بل مرآة تعكس إشكالًا أعمق يتعلق بالهوية، والذاكرة، واستمرار الهيمنة الرمزية بعد زوالها السياسية. وتصحيح المسار يبدأ من سؤال بسيط في ظاهره، عميق في دلالته: بأي لغة نوقّع أسماءنا، ولماذا؟ ومن هذا السؤال يمكن أن يبدأ تشكّل وعي جامعي جديد، أكثر اتساقًا مع ذاته وتاريخه ومستقبله.









لا يوجد تعليقات بعد! كن أول المعلّقين