حل يوم الثلاثاء بالجزائر، المبعوث الخاص للرئيس دونالد ترمب، مسعد بولوس، المستشار الرئيسي للشؤون العربية والإفريقية في كتابة الدولة الأمريكية للخارجية، ومن المؤكد أن بولوس يحمل في جعبته مجموعة من القضايا الساخنة ليناقشها مع الطرف الجزائري، من تعاون اقتصادي يشمل المحروقات والقطاع الزراعي، بالإضافة إلى التنسيق الأمني لمكافحة التهديدات الإرهابية في منطقة الساحل.
وقد تكون قضايا غير معلن عنها، من إمكانية انضمام الجزائر إلى مجلس السلام الذي يديره ترمب، بالإضافة إلى إمكانية تطبيع العلاقات بين الجزائر والمغرب، في إطار اتفاق سلام المقترح من طرف ستيف ويتكوف، في الأسابيع القليلة الماضية.
هناك حقائق، قد لا تعجب الكثير، هو أن فلسلفة الإدارة الأمريكية للمنطقة لا تأخذ حيزا كبيرا في ورقة عملها، فالمشروع الانتخابي للرئيس ترمب، والمستنبط من مشروع 2025 (Project 2025)، الذي أعدته مؤسسة هيرتايج فوندايشن (Heritage Fundation) اليمينية المحافظة، لم يركز كثيرا على هذه المنطقة، وإنما أدرجها في نظرته الشاملة لمنطقة الشرق الأوسط.
وفيما يخص بقضية الصحراء الغربية العالقة، وللأسف الشديد، جنح منظرو هذه المؤسسة للرواية المغربية، نظرا للمصالح الحيوية المتوخاة من مشروع التطبيع الصهيوني-المغربي، بالإضافة للتحامل الممنهج على الجزائر، على خلفية مواقفها من النزاعات الدولية، من قضية تصفية الاستعمار، والقضية الفلسطينية، وموقفها من الحرب الأوكرانية الروسية، بالإضافة إلى فلسفة التنويع التي تتبعها الجزائر في إبرام الشراكات الاستراتيجية، والتي لم ترق لبعض قوى الهيمنة.
لكن ثمة أطر ومؤسسات تتحرك في اتجاه تعزيز التعاون الأمريكي-الجزائري، وتقوية العلاقات الثنائية بين البلدين، خاصة في المجال الاقتصادي والأمني، علما أن الساسة الأمريكان يدركون تماما، أن الجزائر كانت من البلدان التي بادرت إلى مد يد العون للولايات المتحدة الأمريكية لمكافحة الإرهاب، غداة تفجير برجي التجارة العالمية بنيويورك، يوم 11 سبتمبر 2001.
المجموعة البرلمانية الجزائرية
لقد تم تأسيس المجموعة البرلمانية الجزائرية (Congressional Algerian Caucus)، في شهر ماي 2023، من طرف نواب من الحزبين الديموقراطي والجمهوري، بحكم أن الهيئة ثنائية الحزب (تضم أعضاءً من الحزبين الجمهوري والديمقراطي)، وتتركز بشكل أساسي في مجلس النواب الأمريكي. وهو تجمع غير رسمي، ولكنه معترف به في الكونغرس، على غرار التجمعات البرلمانية الأخرى ذات الطابع الموضوعي أو الخاص بدولة معينة (مثل المجموعة الفرنسية أو المجموعة المغربية).
تم تأسيس هذه المجموعة رسميًا، كما سلف الذكر، في مايو 2023 خلال فعالية في واشنطن العاصمة، حضرها سفير الجزائر لدى الولايات المتحدة وعدد من النواب الأمريكيين، بغرض تعزيز العلاقات الثنائية بين الولايات المتحدة والجزائر، انطلاقًا من المصالح المشتركة في الأمن الإقليمي والطاقة (حيث تُعد الجزائر مُصدِّرًا رئيسيًا للغاز الطبيعي) ومكافحة الإرهاب وتعزيز التبادل التجاري، ويهدف أيضا إلى تخفيف حدة التوترات المتعلقة بقضايا مثل الصحراء الغربية، والوضع الأمني في منطقة الساحل، وتعزيز الدبلوماسية المتوازنة في شمال إفريقيا.
من الشخصيات السياسية الأمريكية البارزة، والتي تنشط في إطار تعزيز العلاقات الثنائية بين البلدين، وبالإشادة بالمكانة الاستراتيجية للجزائر في منطقة شمال إفريقيا ومنطقة الساحل الإفريقي، نجد النائب الجمهوري، عن ولاية تكساس تروي نيهلز (Troy Nehls)، الذي يعد الرئيس المشارك الحالي للمجموعة البرلمانية الجزائرية في الكونغرس، وهو معروف بالتزامه.
تعد النائبة الديموقراطية عن ولاية تكساس، شيلا جاكسون لي (Sheila Jackson Lee) الرئيسة الأولى للمجموعة وهي عضوة مؤسسة للمجموعة، شاركت في لجنتي الأمن والميزانية. توفيت في يوليو سنة 2024؛ ولم يُعلن عن خليفتها رسميًا، مما قد يكون له أثر على الأنشطة الأخيرة، مما أخر من نشاط هذه المجموعة، فقد كانت النائبة شيلا جاكسون لي، صديقة للجزائر، وتناضل من أجل علاقات متوازنة واستراتيجية، معتبرة أن الجزائر ذات مكانة قوية في إفريقيا وفي العالم العربي.
نجد أيضا النائب الجمهوري الراحل عن ولاية أوكلاهوما، جايمس إنهوف (James Inhofe)، الذي كان ولمدة طويلة رئيس لجنة الدفاع في مجلس الشيوخ الأمريكي، والذي بادر في 18 فبراير 2021، بمعية النائب الديموقراطي عن ولاية فيرمونت، باتريك ليهي (Patrick Leahy)، إلى توجيه رسالة موقعة من 25 نائبا أمريكيا من الحزبين الديموقراطي والجمهوري، إلى الرئيس جو بايدن، يطالباه فيها بالعدول عن قرار الرئيس دونالد ترمب بالاعتراف بمغربية الصحراء، حيث كتب أعضاء مجلس الشيوخ: “كان قرار الإدارة السابقة المفاجئ في 11 ديسمبر 2020 بالاعتراف رسميًا بمطالبات المملكة المغربية غير الشرعية بالسيادة على الصحراء الغربية قرارًا قصير النظر، وقوّض عقودًا من السياسة الأمريكية الثابتة، وأدى إلى استياء عدد من الدول الإفريقية الهامة. نحثكم بكل احترام على التراجع عن هذا القرار الخاطئ وإعادة إشراك الولايات المتحدة في السعي لإجراء استفتاء على حق تقرير المصير للشعب الصحراوي في الصحراء الغربية”.
لا يجب إنكار المساعي الحثيثة التي كان يقوم بها سفير الجزائر بواشنطن صابري بوقادوم، في لقاءاته الدورية مع أعضاء في الكونغرس ومجلس الشيوخ، لإيصال صوت الجزائر، وانشغالات الدولة الجزائرية، كاللقاء الذي جمعه بالنائب الديموقراطي عن ولاية كاليفورنيا في الكونغرس، جيمي بانيتا (Jimmy Panetta) ، في شهر جويلية 2025، والذي ناقش معه قضايا الأمن الإقليمي والتعاون الزراعي.
الجزائر وجماعات الضغط
تستخدم الجزائر شركات الضغط، وخاصة في الولايات المتحدة، حيث يكون النظام منظمًا وشفافًا للغاية من خلال قانون تسجيل الوكلاء الأجانب، لتعزيز مصالحها الثنائية وصورتها ومواقفها بشأن الصحراء الغربية والطاقة (سوناطراك) والعلاقات الثنائية في مجالي الأمن والدفاع وما إلى ذلك. وغالبًا ما يتم توقيع هذه العقود من قبل السفارة الجزائرية في واشنطن.
يجب التذكير أن نشاط جماعات الضغط قانوني في الولايات المتحدة الأمريكية، ومنظم للغاية بموجب قانون تسجيل الوكلاء الأجانب (Foreign Agents Registration Act) لسنة 1938، و قانون (Lobbying Disclosure Act) لسنة 1995، اللذان يضمنان شفافية أكبر في التأثير على مؤسسات الدولة الأمريكية لصالح دولة أو كيان أجنبي.
يجب الاعتراف أن تجنيد الجزائر لهذه الجماعات يعد متواضعا من حيث حجم النشاط، ومن منظور براغماتي، على الدولة الجزائرية الاستعانة أكثر بهذه الجماعات لإيصال الصورة الحقيقية التي تحاول أطراف كثيرة طمسها، بإنفاق أموال طائلة، ومحاولة تأكيد حضورها في محافل السياسة والأعمال في واشنطن، تحسبا لأي مناورة.
حسب موقع (OpenSecrets)، فإن السلطات الجزائرية، وعن طريق سفارتها بواشنطن، أبرمت عقودا مع مجموعة من جماعات الضغط، منها مجموعة بي جي أر جروب (BGR Group)، وقد تم التوقيع في سبتمبر 2024، على عقد من قِبَل السفير صبري بوقادوم لتقديم خدمات في الشؤون الحكومية والعلاقات العامة بشأن العلاقات الجزائرية الأمريكية.
كما تم التوقيع على عقد مع شركة فولي هوغ للمحاماة (Foley Hoag LLP)، ومقرها بمدينة بوسطن، وتتخصص في التحكيم الدولي. عقد ساري المفعول منذ عام 2007 (أُعيد تفعيله في عام 2018)، وبموجب هذا العقد، تعقد اجتماعات دورية مع الكونغرس ووزارة الخارجية بشأن حقوق الإنسان، وحق تقرير المصير، والعلاقات الثنائية.
كما قام مجمع سوناطراك بالتوقيع على عقد استشارات مع شركة واشنطن للحلول السياسية الدولية (Washington International Policy Solutions) سنة 2018، وذلك لتحسين صورة الجزائر وسوناطراك، وعقد اجتماعات مع وزارة التجارة وهيئة المسح الجيولوجي الأمريكية.
العقود التي أبرمت باسم الدولة الجزائرية لتحسين مكانة الجزائر وصورتها لدى المشرع الأمريكي سياستها متعددة ولكنها في رأيي ليست كافية، بالنظر لحجم الرهانات والتحديات التي تواجه الجزائر على الساحة الدولية، وكذا مناورات المناوءين الذين يسعون بكل الوسائل لتشويه صورة الدولة الجزائرية، وعرقلة مساعيها وعلاقاتها الدولية.
ومن هذا المنطلق، على الدولة الجزائرية إعادة النطر في مفهومها للشتات الجزائري عبر العالم، قصد بلورة رؤية استراتيجية تتيح لجالياتنا في الخارج لعب دور محوري في توصيل الصورة الحقيقية لمؤهلات وقدرات الجزائر، بما يسمح لها لعب أدوار أكثر فاعلية وحماية الأمن القومي.









لا يوجد تعليقات بعد! كن أول المعلّقين