في زمن يعيد فيه العالم ترتيب صفوفه تحت وطأة تنافس بين القوى الكبرى، تبدو الجزائر كدولة وسطى تتخطى منطق الانحياز الحتمي إلى أحد القطبين الأساسيين، مفضّلة أنشطة أكثر تعقيدًا: إدارة توازن دقيق يراعي المصالح الوطنية أولًا قبل الانخراط في محاور جاهزة.

هذا النّهج ليس مفاجئًا، بل هو امتداد طبيعي لعقيدة دبلوماسية تأسّست منذ الاستقلال على مبادئ السّيادة وعدم التدخل في الشّؤون الداخلية للدول، ورفض الاصطفاف في صراعات القوى الكبرى.

في تصريحات له، أكّد الرئيس عبد المجيد تبون أنّ السياسة الخارجية الجزائرية (قائمة على محورين أساسيين: عدم الانحياز وعدم التدخل، وأنّ الجزائر لها علاقات ممتازة مع الولايات المتحدة والحلف الأطلسي في بعض المجالات، وفي الوقت نفسه تحافظ على روابط قويّة مع روسيا والصّين دون أن تضع نفسها في تبعية لأي قوة).

واشنطن؛ علاقة براغماتية بلا تحالفات

العلاقة بين الجزائر والولايات المتّحدة لم ترتقِ إلى مستوى تحالف استراتيجي تقليدي، لكنّها – في الوقت ذاته – لم تتوقّف عن التطور؛ فالجزائر تتعاون مع واشنطن في مكافحة الإرهاب وتعزيز الاستقرار الإقليمي، خصوصًا في منطقة السّاحل، حيث تتقاطع المصالح الأمنية، هذا التعاون البراغماتي يُظهر رغبة الجزائر في الاستفادة من الخبرات والدّعم المتوفّر دون أن تُلزم نفسها باتجاه سياسي يتعارض مع مبادئ سيادتها أو مع علاقاتها الأخرى.

هذا النّهج يعكس عقلانية تتجاوز القوالب الأيديولوجية، وهو ما جعل العلاقات مع الولايات المتّحدة قائمة على أساس الفائدة المتبادلة بدلًا من الاصطفاف في محاور قطبية.

موسكو؛ شراكة استراتيجية مع حدود

تجربة الجزائر مع موسكو تُعدّ من أقدم علاقات الشّراكة في تاريخها الحديث، تمتدّ إلى زمن التّحرير الوطني، وقد تجسّدت في مجالات متعددة، أهمّها التّعاون العسكري والأمني، حسب تصريحات رسمية جزائرية، يوجد (تطابق للرؤى) بين الجزائر وروسيا في العديد من الملفات، من بينها ملف الصّحراء الغربية، والوضع في السّاحل، وقضية فلسطين، إضافة إلى دعم موسكو لترشح الجزائر للبريكس.

لكنّ هذه الشّراكة لا تعني الاصطفاف السياسي التّام؛ فالجزائر لم تنحز بشكل علني في الصّراع بين روسيا والغرب، بل حافظت على مسافة متوازنة، مؤكّدة أنّ مصالحها الوطنية هي التي تُحدّد حدود التعاون، وقد أثبتت الأزمة الأوكرانية في أعقاب الحرب أنّ الجزائر بإمكانها الحفاظ على هذه الاستقلالية، إذ لم تشهد مواقفها تقاربًا حادًا مع موسكو على حساب علاقاتها مع قوى أخرى.

بكين؛ شريك اقتصادي واستراتيجي بلا شروط سياسية

مع الصّين، تبدو العلاقات أكثر اتّساعًا، فهي لا تقتصر على الجانب الاقتصادي فقط، بل تمتد إلى تعاون استراتيجي أوسع، ففي زيارة رسمية حديثة، أكّد الرّئيس تبون أنّ الصّين هي (أهم صديق وشريك) للجزائر، مع استعداد الجزائر لتعميق التّعاون في مجالات متعدّدة، من البنية التّحتية إلى التكنولوجيا والطاقة، ولفت إلى دعم الجزائر للصّين في قضاياها الأساسية مثل تايوان وحقوق الإنسان.

في المقابل، شدّد الرّئيس الصّيني شي جينبينغ على دعم بكين لسيادة واستقلال الجزائر، ورفض التدخل في شؤونها الدّاخلية، ممّا يعكس تفهّمًا متبادلًا لطبيعة التوازن الذي تسعى الجزائر للحفاظ عليه.

هذه العلاقة مع الصّين تمنح الجزائر قدرة على تنويع شراكاتها الدولية بعيدًا عن الاعتماد التقليدي على الشركاء الغربيين أو الرّوس، وهو ما يُعدّ مكسبًا استراتيجيًا في نظام عالمي يشهد تغيّرًا كبيرًا.

التوازن ليس خاليًا من المخاطر

رغم ما سبق، فإنّ مسار التوازن يحمل عدّة تحديات:

  • ضغوط متزايدة من القوى الكبرى لارتباطات أكثر صراحة في محاور محددة.
  • تعقيدات إقليمية مثل توتّرات العلاقات مع فرنسا، التي بدأت في التّطبيع مؤخرًا بعد أزمة دبلوماسية في 2024-2025، وهو ما يعكس مرونة الجزائر وحرصها على الحفاظ على القنوات الدبلوماسية.
  • التوازن الاقتصادي أمام تطورات مثل أزمة الطّاقة العالمية أو المنافسة على الاستثمارات الأجنبية.

هذه التحدّيات لا تلغي جدوى التوازن، لكنّها تبرز ضرورة استمرار الدبلوماسية الجزائرية في تحديث أدواتها بما يتناسب مع واقع عالمي جديد متعدّد القطبية.

رؤية جزائرية للتوازن في عالم متعدد الأقطاب

ما تفعله الجزائر اليوم ليس مجرد إعادة إنتاج لعقيدة عدم الانحياز الكلاسيكية، بل هو تطبيق عملي مرن لها في سياق التحولات الجيوسياسية الحالية، فبين واشنطن وموسكو وبكين، تحاول الجزائر أن تُبقي خياراتها مفتوحة وأن تُعلي من شأن قرارها الوطني فوق قوالب الاصطفاف التقليدية، متجاوزة الانغلاق على محور واحد.

إنّ مفهوم التوازن لا يعني الضّعف أو اللاّموقف، بل هو استراتيجية واعية تسعى لحماية المصالح الوطنية وتعظيمها في عالم يتّسع فيه تأثير القوى الكبرى ويضيق فيه هامش الحريّة للدول المتوسطة؛ وقد يكون هذا النّهج، رغم صعوبته، خيار الجزائر الأمثل في مواجهة نظام دولي متعدّد الأقطاب.