في لقاء إعلامي أنهى عقدين من القطيعة غير المبررة بين أسرة الإعلام والرئيس، تعهد الرئيس الجزائري عبد المجيد تبون، بتلبية كافة مطالب الحراك الشعبي “بشكل تدريجي”، ووصف الحراك الشعبي بـ”المبارك”، وأعلن عن تنظيم انتخابات تشريعية ومحلية قبل نهاية السنة.

وقال تبون في مقابلة تلفزيونية مع مسؤولي ثماني مؤسسات إعلامية، بثها التلفزيون العمومي مساء الأربعاء إنه سيواصل إجراء جلسات التشاور مع شخصيات وطنية، من أجل “الاستماع لآرائهم فيما تعلق بأمهات القضايا التي تهم الجزائريين وأولها تعديل الدستور”.

تلبية مطالب الحراك

كما تعهد تبون بأنه سيستكمل ما طلبه “الحراك المبارك من مطالب”، وأضاف “أنا ملتزم بتجسيد كل المطالب، تعديل الدستور وتعديل القوانين وبناء ديمقراطية حقيقية ومحاربة الإقصاء والفساد وأخلقة المجتمع”، مضيفا أن “هناك ما تحقق من مطالب الحراك وهناك ما يتحقق آنيا وهناك آفاق سياسية لمواصلة الجميع مطالبه”.

الدستور “عاجز”

ونفى الرئيس أن يكون في نيته “صُنع دستور على مقاسه”، وقال إن الدستور الحالي “أثبت عجزه عن حل الأزمة التي وقعت فيها البلاد.. لأنه جاء محملا بالكثير من الثغرات، وفيه فقرات ونصوص غير كاملة…سنسير إلى أبعد حد في الدستور دون المساس بأسس الدولة الوطنية…وسندافع بشراسة عن الوحدة الوطنية ترابا وشعبا”.

واتهم تبون الرئيس السابق عبد العزيز بوتفليقة، دون أن يذكره بالاسم، بإجراء تعديلات مستمرة على الدستور لأسباب ذاتية، وقال “أعترف بأن البعض عدل الدستور لغاية في نفس يعقوب، لكنني اليوم ألتزم أمام الشعب بأن هدفي فقط هو الوصول إلى دستور بإمكانه حماية الجزائر من الدخول في أزمات مستقبلا”.

وعن الهوية قال تبون “لقد أبعدتها عن التعديل الدستوري المقبل، لأن الشعب فصل فيها”، ووعد بعرض مسودة الدستور على المجتمع للنظر فيه، ثم عرضه على البرلمان بغرفتيه، ثم عرضه على استفتاء شعبي.

انتخابات مُسبقة

وكشف الرئيس تبون عن إجراء انتخابات برلمانية ومحلية مبكرة قبل نهاية السنة الجارية، تعقب الاستفتاء على مسودة الدستور، وقال “من الطبيعي إجراء انتخابات قبل نهاية السنة، خاصة المتعلقة ببعض الهيئات المنتخبة التي تحوم حولها شبهات”.

كما شدّد تبون على مراجعة قانون الانتخابات مباشرة بعد تعديل الدستور، وبرّر هذا قائلا “كل الناس تشتكي من طريقة تنظيم الانتخابات وساد اعتقاد بأن الانتخابات مزورة…سيكون هناك قانون انتخابات صارم يجرّم التزوير والوسائل المستعملة فيه”.

الغاز الصخري

وطالب تبون بفتح نقاش وطني جاد وشفاف حول استغلال الغاز الصخري، واتخاذ قرارات استعجالية تخص إنعاش الاقتصاد ودعم الانتاج الوطني، والحد من الاستيراد والتخلص من ارتباط الاقتصاد الجزائري بسعر النفط.

واعتبر أن استغلال الغاز الصخري سينقذ الاقتصاد الجزائري من “كارثة محققة”، وأوضح أن الجزائر تملك ثاني أو ثالث احتياطي في العالم، وبعض المناطق في بلادنا تنام على محيطات من الغاز الصخري وتساءل: لِمَ نحرم أنفسنا من نعمة وثروة مدفونة؟

كما دعا تبون إلى فتح نقاش وطني حقيقي وموضوعي حول الغاز الصخري، “مع الأخذ بعين الاعتبار أن للجزائر منافسين في مجال إنتاج الغاز وتصديره، وليس من مصلحتهم أن تتحول الجزائر إلى دولة رائدة وقوية في هذا المجال”، وأكد على عدم انفراده برأيه في الموضوع

إصلاحات اقتصادية واجتماعية

من جهة أخرى، وعد الرئيس الجزائري بإحداث إصلاحات اقتصادية في الصناعة والفلاحة؛ لبعثهما وللتخلص من التبعية للنفط.

ووعد تبون بالعمل على استرجاع الأموال العمومية المهربة للخارج، مباشرة بعد أن تصدر العدالة أحكامها في حق رجال الأعمال الموقوفين بتهمة الفساد وبتهريب الأموال، وإصلاح التعليم ومنع التوظيف الأيديولوجي في المناهج التعليمية، ومحاربة الفقر وإعفاء أصحاب الأجور الدنيا ما دون 30 ألف دينار من الضرائب، وإدراج المضاربة في أسعار المواد الاستهلاكية كخيانة.

كما وعد بضرورة تحديد شروط الاستفادة من الدعم الاجتماعي وآليات صرفه مستقبلا “لأن النقاش يجب أن يكون في ظل الدولة الجديدة”، بالإضافة إلى مراجعة بعض الضرائب والجبايات التي وردت في قانون مالية 2020 في غضون 6 أو 7 أشهر “لضمان المزيد من العدالة الاجتماعية”.

تعهد بحماية حرية الصحافة

وجدد تبون التزامه بضمان سقف عالٍ لحرية الصحافة وحماية الصحافيين مهنيا واجتماعيا، ورفع كل أشكال الوصاية عن حرية التعبير قائلاً “سأكون سندا لأسرة الإعلام والصحافة”، لكنه شدد على “ضرورة محاربة الأكاذيب ونشر الدعاية”.
كما أوضح أن سلطة دعم السمعي البصري لم تقم لحد الآن بدورها، ودعا الصحافيين إلى انتخاب ممثليهم في سلطة ضبط الصحافة المكتوبة، من أجل تفعيلها قبل نهاية السنة”.

العلاقات الجزائرية-الفرنسية

وتطرق الرئيس تبون إلى ملف العلاقات الجزائرية الفرنسية، وأكد أن الجزائر لن تقبل من الآن وصاعداً أي تدخل في شؤونها من قبل باريس، قائلاً إن “العلاقات عرفت حالة فتور بسبب تصريحات المسؤولين الفرنسيين، ولأنه كانت هناك محاولات للتدخل في شؤوننا أيام الحراك، لا نقبل أن تمارس علينا الوصاية من أي كان، ولسنا محمية لفرنسا ولا لغيرها.. هناك لوبي فرنسي لا يحب الجزائر ولوبي آخر يغذي الكراهية ضدها افتعل مشاكل في المرحلة السابقة، وحاول التدخل في الحراك، أعتقد أن الحكومة الفرنسية أدركت ذلك فيما المسؤولون الفرنسيون أصبحوا يعرفون أن الجزائر دولة حرة تملك مستقبلها وليست محمية”.

وأضاف أن “الجزائريين شديدو الحساسية عندما يتعلق الأمر بالسيادة الوطنية، خصوصاً عندما يكون التدخل من مستعمر الأمس، وكل الملفات والقضايا المشتركة مع الفرنسيين ستعالج وفق مبدأ الند للند”.

المغرب العربي الكبير

وعن نيته في إطلاق مبادرات لإحياء مشروع المغرب العربي، أوضح الرئيس تبون أن الجزائر من دعاة المغرب العربي دون أي شرط أو قيد ولن تحيد عن هذا الخيار، وفيما يخص العلاقات بين الجزائر والمغرب أكد “لا يمكننا تحت أي ظرف أن نشتم أي شعب فما بالك بالشعب المغربي الشقيق”.

وعن ملف الصحراء الغربية قال تبون إن “موضوع الصحراء الغربية هو قضية أممية تعتبرها الأمم المتحدة قضية تصفية استعمار”، مذكرا بالموقف الجزائري المبدئي الداعم لحق الشعب الصحراوي في تحقيق مصيره.

الوساطة بين طرفي الأزمة الليبية

قال الرئيس الجزائري عبد المجيد تبون، إنه “متفائل” بشأن وجود قَبول للفرقاء الليبين وأغلب الدول لطلب الجزائر احتضان حوار لإيجاد مخرج سياسي للأزمة.

وقال الرئيس الجزائري إن “الليبيين طلبوا وساطة الجزائر، وهذه تقاليدنا منذ عام 1962 ونحن نتدخل بين الشعوب والدول لتصفية الجو وأنا متفائل”.

وأضاف أنه “بصفة عامة كان هناك إجماع على ما اقترحته الجزائر، لأنها دولة لا تبحث عن تقوية نفوذها جغرافيا ومعروفة بتجاربها في مجال الوساطة وقامت بذلك لفائدة عدة دول دون البحث عن البروز أو طلب مقابل، بل من أجل إحلال السلم والأمن”.

ولفت تبون إلى أن الأمور تسير في الاتجاه الصحيح مشيرا إلى أن “هناك تصريحات مشجعة، بينها تلك التي أدلى بها كل من فائز السراج وخالد المشري بخصوص دور الجزائر في حل الأزمة الليبية عن طريق الحوار”.

وقال “لدينا ثقة الجانبين بالإضافة إلى أن أغلب قبائل الجنوب بصفة عامة وقبائل مصراتة والزنتان والتوارق كلهم طلبوا وساطة الجزائر، وهذا يشجع السلم في ليبيا”.