تواجه الجزائر واحدة من أعنف موجات حرائق الغابات في السنوات الأخيرة، بعدما اجتاحت النيران منذ يوم الأربعاء 26 أوت مساحات واسعة في عدد من ولايات شمال البلاد، خصوصا في الشرق، مخلفة قتلى وجرحى وأضرارا كبيرة في الغابات والممتلكات والثروة الحيوانية.
وتعمل فرق الحماية المدنية وأعوان الغابات ووحدات من الجيش على تطويق بؤر النيران وإخمادها، في وقت لا تزال فيه بعض المناطق تواجه خطر تمدد الحرائق نحو التجمعات السكانية.
وتبدو الظروف المناخية أحد أبرز العوامل التي ساعدت على اتساع رقعة النيران، مع تسجيل درجات حرارة مرتفعة ورياح قوية سرعت انتشارها وحولت بعض البؤر إلى حرائق واسعة يصعب احتواؤها.
وتظهر مشاهد متداولة من المناطق المتضررة قرى محاصرة بالدخان وألسنة اللهب، وسكانا يغادرون منازلهم على عجل، إلى جانب منازل ومركبات تضررت بفعل النيران، ونفوق عدد من الحيوانات.
وانتشرت عبر منصات التواصل الاجتماعي صور ومقاطع فيديو توثق حجم الكارثة، وتظهر مساحات واسعة من الغطاء النباتي وقد التهمتها النيران، وسط مطالبات بكشف ملابسات اندلاع الحرائق وتحديد أسبابها.
شبهة الافتعال تحت المجهر
وبالتزامن مع اتساع رقعة الحرائق، برزت فرضية افتعال بعضها في النقاش العام، خصوصا بعد تداول مقاطع أثارت تساؤلات بين الجزائريين.
ومن بين أكثر المقاطع تداولا، فيديو تظهر فيه النيران في شكل بدا لبعض الناشطين شبيها بخريطة الجزائر، وهو ما فتح المجال أمام تكهنات واسعة بشأن طبيعة الحرائق وتزامن اندلاعها في مناطق مختلفة.
كما جرى تداول صور لإطارات مطاطية محترقة عُثر عليها داخل مناطق غابية، إلى جانب فيديو صوره أحد الهواة يظهر شخصا يغادر محيط غابة بينما كانت النيران مشتعلة خلفه. وقال مصور المقطع إنه أبلغ الأجهزة الأمنية بالواقعة.
وأطلقت وزارة الشباب حملة وطنية من أجل الدعوة للوحدة في مواجهة المحنة، ونشرت فيديو بعنوان “بَعَّدْ يَدَّكْ عْلَى بْلَادِي” فسره بعض المتابعين بأنه رسالة للمتآمرين على الجزائر، تزامنا مع الخسائر البشرية والمادية الكبيرة التي تسببت فيها حرائق الغابات.
ومع ذلك، تبقى هذه المواد المتداولة مؤشرات غير حاسمة، في انتظار ما ستكشفه التحقيقات الرسمية، خصوصا أن ارتفاع درجات الحرارة والرياح والظروف المناخية القاسية توفر بدورها عوامل تساعد على اندلاع الحرائق وانتشارها بسرعة.
تحقيقات رسمية لكشف ملابسات الحرائق
ودفعت طبيعة الحرائق وتزامن اندلاعها في عدد من الولايات السلطات إلى فتح تحقيقات بشأن أسبابها.
وقال وزير الداخلية والنقل السعيد سعيود إن المصالح الأمنية ستجري تحقيقات معمقة لكشف ملابسات اندلاع الحرائق، موضحا أن ذلك يأتي “نظرا لهول الكارثة ونظرا لعدد الحرائق التي اندلعت في عديد الولايات، وتقريبا في نفس الوقت”.
وتأتي هذه التحقيقات في وقت تتجه فيه الأنظار إلى تحديد ما إذا كانت الحرائق ناجمة عن الظروف المناخية وحدها، أم أن بعض البؤر قد تكون مرتبطة بفعل بشري متعمد.
12 قتيلا وعشرات المصابين
وأعلنت وزارة الداخلية في حصيلة أولية مقتل 12 شخصا جراء الحرائق، بينهم خمسة في جيجل وأربعة في بجاية وثلاثة في تيزي وزو، إضافة إلى إصابة 54 شخصا بحروق.
وأوضحت الوزارة أن ستة من المصابين يوجدون في حالة حرجة ويخضعون للعلاج في مصالح العناية المركزة.
وفي بلدية الجمعة بني حبيبي غربي ولاية جيجل، تحولت الكارثة إلى مأساة إنسانية ثقيلة، مع إقامة مراسم تشييع جماعي لضحايا الحرائق في مقبرة “دار البقاء” بعد صلاة الجمعة، وسط حضور كبير للمواطنين والوزير الأول سيفي غريب ووفد حكومي رفيع، بتكليف من رئيس الجمهورية عبد المجيد تبون.
شبح حرائق 2021 يعود إلى الواجهة
وتعيد موجة الحرائق الحالية إلى الواجهة ملف الحرائق المفتعلة في الجزائر، بعدما سبق للقضاء الجزائري أن حاكم أشخاصا بتهم تتعلق بإضرام حرائق عمدا خلال عام 2025.
كما تستحضر البلاد مأساة صيف 2021، عندما خلفت الحرائق التي اجتاحت خصوصا ولاية تيزي وزو 90 قتيلا، في واحدة من أسوأ الكوارث المرتبطة بحرائق الغابات في تاريخ الجزائر الحديث.
وعقب تلك الكارثة، تعهد الرئيس عبد المجيد تبون بتعزيز قدرات البلاد في مكافحة حرائق الغابات، خصوصا من خلال اقتناء طائرات متخصصة في الإخماد، كما أعلنت السلطات توقيف 22 مشتبها فيهم على خلفية إشعال حرائق في عدة ولايات.
وفي هذا السياق، طلبت الجزائر شراء ست طائرات من طراز “بيريف”، غير أن اثنتين منها فقط أصبحتا قيد التشغيل حتى الآن. وفي أبريل 2023، أعلنت الرئاسة الجزائرية أيضا اللجوء إلى عقود لاستئجار طائرات مخصصة لمكافحة الحرائق، بهدف تعزيز وسائل التدخل وتفادي تكرار سيناريو 2021.
وبينما تواصل فرق الحماية المدنية والغابات والجيش عمليات الإخماد، تبقى أسباب اندلاع الحرائق المتزامنة موضع تحقيق رسمي.
فالمشهد الحالي يجمع بين ظروف مناخية قاسية ساعدت على انتشار النيران، وتساؤلات متزايدة حول احتمال وجود فعل متعمد في بعض المناطق. وبين الفرضيتين، ينتظر الجزائريون ما ستكشفه التحقيقات الأمنية والقضائية عن الشرارة الأولى التي أشعلت هذه الكارثة.



لا يوجد تعليقات بعد! كن أول المعلّقين