ليس المهم في التحوّلات الجيوسياسية الكبرى هو الحدث في صورته العاجلة، بل المعنى العميق الذي يحمله في سياقه الدولي؛ فالعلاقات بين الدّول لا تنهار فجأة، بل تتآكل تدريجيًا حتّى تصل إلى لحظة تصبح فيها الإشارات الرمزية أبلغ من القرارات الصّاخبة، من هذا المنظور تبدو العلاقة بين الصّين والكيان الإسرائيلي اليوم مثالًا كاشفًا عن تحوّل أوسع في بنية النّظام العالمي، حيث لم تعد المنطقة الرّمادية – تلك التي تسمح بالجمع بين متناقضات التحالف – خيارًا قابلًا للاستمرار.

لقد أعلنت جمهورية الصّين الشّعبية رسميًا حظر دخول جميع السياح الإسرائيليين إلى أراضيها؛ هذه الخطوة الجريئة والمفاجئة تمثل انهيارًا كاملًا في العلاقات الصّينية-الإسرائيلية، التي كانت مزدهرة سابقًا في مجالات التكنولوجيا والبنية التّحتية.

على مدى سنوات، نجح الكيان الإسرائيلي في انتهاج سياسة مزدوجة: أمن استراتيجي مضمون من الولايات المتحدّة، وانفتاح اقتصادي وتكنولوجي واسع على الصّين، هذا التموضع أتاح له الاستفادة من التنافس الدّولي بدل الانخراط فيه، غير أنّ اشتداد الصّراع بين القوى الكبرى، ولا سيما بين واشنطن وبكين، جعل من هذا التوازن الدّقيق عبئًا استراتيجيًا أكثر منه مكسبًا.

الصّين، التي باتت تتحرّك بثقة متزايدة على المسرح الدولي، لم تعد تكتفي بدور الشّريك الاقتصادي المحايد، فهي تعمل بهدوء منهجي، على إعادة صياغة شبكة تحالفاتها العالمية، مستندة إلى خطاب (الجنوب العالمي) وإلى شراكات سياسية وأمنية واقتصادية تتجاوز المدار الغربي التّقليدي، وفي هذا السّياق، يكتسب تقاربها مع قوى إقليمية وازنة في العالم الإسلامي، مثل السّعودية وتركيا وباكستان، دلالة تتجاوز المصالح الثّنائية، ليعكس سعيًا صينيًا إلى بناء توازنات إقليمية جديدة أقلّ خضوعًا للهيمنة الأمريكية.

ضمن هذه المعادلة، يبدو الكيان الإسرائيلي في موقع حرج فهو يمثل، في المخيال الاستراتيجي الصّيني، أحد أبرز حلفاء الولايات المتحدة في الشّرق الأوسط، وأحد تجلّيات النّفوذ الغربي في منطقة تسعى بكين إلى إعادة تشكيل موازينها، ومع تراجع الانخراط الأمريكي المباشر في قضايا المنطقة، وانتقال واشنطن إلى سياسة إدارة الأزمات بدل حسمها، تفقد إسرائيل تدريجيًا القدرة على المناورة التي طالما ميّزت سياستها الخارجية.

الأخطر في هذا التحوّل ليس في إجراء بعينه، بل في الرّسالة الكامنة خلفه: العالم يتجه نحو اصطفافات صلبة، حيث يُطلب من الدول أن تختار بوضوح موقعها ضمن معسكرات متنافسة.

 الصين، في هذا السّياق، لا تعلن العداء المباشر، لكنهّا تفرض كلفة سياسية ودبلوماسية على من يحاول الجمع بين شراكة معها وتحالف استراتيجي كامل مع خصمها الأكبر.

من هنا، يمكن قراءة الموقف الصّيني بوصفه إعلانًا غير مباشر عن نهاية مرحلة (اللّعب على الحبلين). فالحصول على المزايا الاقتصادية الصّينية لم يعد ممكنًا دون ثمن سياسي، تمامًا كما أنّ الاحتماء بالمظلّة الأمنية الأمريكية لم يعد كافيًا لتأمين قبول دولي واسع في عالم متعدد الأقطاب.

إسرائيل اليوم أمام مفترق طرق حقيقي، فإمّا أن تنكفئ أكثر داخل ما يشبه (القلعة الأمريكية)، في لحظة تاريخية تشهد فيها هذه القلعة تراجعًا نسبيًا في القدرة على فرض الإرادة عالميًا، أو أن تحاول إعادة تعريف موقعها في نظام دولي جديد لا يعترف بالاستثناءات القديمة ولا يمنح الامتيازات مجانًا.

ما يجري ليس أزمة دبلوماسية عابرة، بل إنذار استراتيجي يعكس تحوّلًا في قواعد اللّعبة الدولية، وفي عالم تتسارع فيه التحوّلات، يصبح تجاهل الإشارات المبكرة خطأً مكلفًا، لا تدفع ثمنه الدول الصغيرة وحدها، بل حتى أولئك الذين اعتادوا طويلاً على موقع القوة.