لم تُعلّق الأحزاب السياسية على إعلان الرئيس عبد المجيد تبون، الأحد الماضي، طرح تعديل دستوري، ما قد يكون مفهوماً لكونها لم تتسلّم نسخاً من مسودة التعديل، ولا من مسودة القانون الانتخابي، وليس لها ما تؤسّس عليه تعليقها وموقفها. لكن هذا الصمت بحد ذاته عنوان كبير، ويدفع إلى التساؤل: ألم يكن حريّاً بالسلطة إشراك القوى الفاعلة أو اطلاعها، كحد أدنى، على هذه التعديلات، طالما تمسّ الدستور الذي يمثل العقد السياسي والاجتماعي للدولة؟ ولِمَ لم تُحاجج الأحزاب السلطة في ذلك؟
أعطى تبون منذ انتخابه نهاية عام 2019 انطباعاً بشأن انفتاح واسع على الطبقة السياسية، من خلال استقبال مستمر، في غضون السنوات الست الماضية، لقادة الأحزاب السياسية في لقاءات، بيد أن الوقائع أكدت أن هذا الانفتاح لم يتجسّد على صعيد شراكة جديّة في الخيارات. كذلك لم يتجسّد في الواقع السياسي والإعلامي ما يفيد بتطوير إطار الممارسة السياسية والإعلامية والنقابية في الجزائر، أو توسيع مجال الحريات والمسألة الديمقراطية، وهو ما تُكرّر الأحزاب والشخصيات المستقلة التنبيه إليه وإلى مخاطر إفراغ المجتمع من محركات طاقاته الأساسية في كل مناسبة.
في خطاب أداء اليمين الدستورية، خلال سبتمبر 2024، وبما يعنيه هذا المقام والمحفل السياسي، وعد تبون بإطلاق حوار سياسي قبل نهاية عام 2025، يكون موضوعه الأساس التفاهم مع الطبقة السياسية حول الشراكة في الإصلاحات السياسية والخيارات الاقتصادية.
كان يُفترض أن يكون هذا الحوار السياسي الأساس الذي يتم عليه بناء وإحداث مراجعة للقوانين الضابطة للنشاط السياسي والممارسة السياسية والمدنية، وتحسين القوانين ذات العلاقة بالانتخابات، وبتأطير المجتمع ومؤسسات الحكم المحلي. لكن السلطة لم تُعطِ المساحة الكافية للقوى السياسية للإسهام في ذلك، وطرحت المراجعات قبل جولة الحوار المزمع، وهذا بحد ذاته يُفرغ الحوار السياسي المستقبلي من أي معنى، ذلك أنه كان يُفترض أن يسبق الحوار مراجعات الدستور والقوانين الأساسية والإصلاحات السياسية، وأن تكون هذه الأخيرة تتويجاً لهذا الحوار وعلى أساسه. ما حدث في الحالة الجزائرية معاكسٌ لذلك؛ وُضعت العربة قبل الحصان، ثم أُمِر الحصان بالسير.
يُسوّق في الغالب لموت السياسة في الجزائر، ويُستدل على ذلك بضعف الفعل والفاعلية لدى المجتمع السياسي والأحزاب الوطنية، وفي بعض المراحل كانت السلطة تدفع الإعلام إلى شيطنة الأحزاب وترذيل السياسيين وتشويههم، لغاية في نفسها.
وهذا (موت السياسة) ليس صحيحاً بالمطلق، ذلك أن المؤسسة الحزبية في الجزائر ضحية بحد ذاتها للبيئة المسمومة التي خلفتها تصورات السلطة للسياسة والديمقراطية. لكن هذه المؤسسة ظلت، بما توفّر لها من ظروف، تحاول المقاومة، وتسعى بالأدوات الممكنة إلى الإبقاء على المطلب الديمقراطي والتطلعات السياسية للجزائريين قائمة. وكل محاولة لتحميلها إخفاقات المراحل السياسية هي تزييف للوقائع وهروب من التاريخ السياسي.
بموت الفكرة يبزغ الصنم، وبموت السياسة يبرز التطرف بديلاً. والتطرف هنا ليس بذلك المعنى التقليدي الذي يعني الشطط والغلو، بل يعني إفساح المجال للتداول العشوائي وغير المؤسس، ودون أطر منتظمة أو ضوابط، في قضايا الشأن العام، نتيجةً تقليدية للفراغ الذي قد ينتجه موت الفعل السياسي أو اغتياله.
كلما ماتت السياسة في بلد، استبدّ القلق، وضاق الأفق، وساد الغموض في الخيارات. والتجربة الوطنية أثبتت ذلك، وأكدت أن تحرير الممارسة السياسية وبناء المجتمع الديمقراطي لا يمكن أن يحصلا من دون مجتمع سياسي.









لا يوجد تعليقات بعد! كن أول المعلّقين