انبثق عن اجتماع المجلس الأعلى للأمن برئاسة رئيس الجمهورية عبد المجيد تبون، قرارات هامة يرتبط بعضها بجرائم المخدّرات.

وتقرّر خلال الاجتماع، إنشاء هيئة أمنية مختصة في مكافحتها، كما هو معمول به في عديد البلدان، مثل الولايات المتحدة الأمريكية.

كما تقرّر  تحويل ثكنة تابعة للجيش الوطني الشعبي بالصحراء الكبرى لتنزروفت إلى سجن عالي التأمين مخصص لبارونات المخدرات ومروجيها.

“أرض الخوف”

تقع تنزروفت في الجزء الجنوبي الغربي من الصحراء الكبرى، وتغطي مساحة شاسعة تمتد أساساً في جنوب الجزائر (ولايتي أدرار وبرج باجي مختار) وصولاً إلى شمال جمهورية مالي.

وهي واحدة من أكثر مناطق الصحراء الكبرى جفافاً وقسوة وعزلة على وجه الأرض، وتُلقب بـ” أرض الخوف” أو “أرض العطش” في التراث الأمازيغي والترقي.

وما يجعل هذه المنطقة خطرة، هو أنها تُصنف كمنطقة شديدة الجفاف بشكل مطلق، حيث يقل معدل الهطول المطري السنوي فيها عن 5 مليمترات.

وعلى عكس معظم الصحاري التي تتميز بالكثبان الرملية أو الجبال، تتميز تنزروفت بكونها هضبة حصوية منبسطة وممتدة، تتكون من الحجارة والصخور الصماء، مما يجعل المشهد الممتد لآلاف الكيلومترات متطابقاً تماماً، ويؤدي لضياع الاتجاهات وسهولة فقدان المسار.

كما تتجاوز درجات الحرارة صيفاً 50 درجة مئوية في الظل، مع تباين حراري حاد يتسبب في انخفاضها إلى ما قريب الصفر مئوي ليلاً.

وتتميز هذه الصحراء بشبه غياب كلي للمياه والعمران حيث تفصل بين نقاط المياه فيها مسافات هائلة تمتد لمئات الكيلومترات، وتكاد تخلو تماماً من الواحات أو السكان باستثناء بعض النقاط الحدودية والممرات القاحلة.

كما تنعدم فيها النباتات والغطاء الشجري تقريباً، حتى بالنسبة للنباتات الصحراوية المقاومة للجفاف، مما ينعكس سلباً على وجود الحياة الحيوانية البرية.

وعُرفت تنزروفت تاريخيا كواحدة من أصعب عقبات طرق التجارة القديمة عبر الصحراء الكبرى بين شمال إفريقيا وغربها.

وتضم حالياً مسار طريق تنزروفت الذي يربط بين بشار وبرج باجي مختار وصولاً إلى مالي، وهو طريق ترابي صحراوي غير معبد بالكامل يتطلب مركبات خاصة واستعدادات جغرافية ولوجستية دقيقة لتفادي مخاطر العطل أو الضياع.

رسالة صارمة

يعتبر تحويل ثكنة عسكرية سابقة للجيش الوطني الشعبي في صحراء تنزروفت إلى سجن عالي التأمين لبارونات المخدرات ومروجيها، خطوة استراتيجية حازمة ذات أبعاد أمنية وجودية، بالنظر إلى الطبيعة الجغرافية والتاريخية الفريدة لهذه المنطقة.

ويفرض واقع تصنيف هذه الصحراء كواحدة من أكثر مناطق العالم قسوة وجفافاً، مع انعدام الواحات والمستوطنات البشرية، طوقاً أمنياً طبيعياً يصعل معه أي تفكير في الهروب أو اختراق الموقع.

ويسمح نقل القيادات المتورطة في تجارة وسوم المخدرات بعيداً عن الكثافة السكانية ومحاور الحركة الحضرية بقطع قنوات التواصل والتأثير اللوجستي التي قد يحاولون إدارتها من داخل المؤسسات العقابية العادية.

ووجّهت السلطات العليا في البلاد من خلال هذا القرار، رسالة صارمة بشأن التعاطي مع قضايا المخدرات باختيار بقعة تُعرف تاريخياً بأرض الخوف، لضمان تطبيق العقوبات في بيئة عالية الانضباط والتأمين.

ويجدر الذكر، أن الثكنات القائمة في المناطق الحدودية البعيدة، تتميز بتصميمها الهندسي المجهز للظروف القاسية والرقابة المشددة، مما يسهل تحويلها إلى مراكز احتجاز عالية الأمن دون الحاجة لإنشاءات أصلية من الصفر.

ويمكن أن تشكل تنزروفت، بما تفرضه من عزلة جغرافية وقسوة مناخية، أحد أشد الخيارات ردعاً لمواجهة أشكال الجريمة المنظمة والتجارة غير المشروعة.