لم يكن يوم 21 جوان 2026 مجرد موعد فلكي عادي في الروزنامة، بل تحوّل إلى محطة تحمل أكثر من دلالة؛ فبينما أحيت الجزائر، على غرار بلدان نصف الكرة الشمالي، حدث الانقلاب الصيفي الذي يعلن رسميًا بداية فصل الصيف الفلكي، جاءت المؤشرات المناخية لتعيد التذكير بالإمكانات الهائلة التي تختزنها البلاد في مجال الطاقة الشمسية.
ويُعرف الانقلاب الصيفي بكونه أطول أيام السنة، إذ تشرق الشمس في وقت مبكر وتغيب متأخرة، مانحة أكثر من 15 ساعة من ضوء النهار المتواصل. ويُعد هذا الحدث الطبيعي مناسبة رمزية للتأمل في العلاقة الوثيقة بين الشمس والحياة والموارد الطبيعية، خاصة في البلدان التي تتمتع بمعدلات سطوع استثنائية مثل الجزائر.
وفي مفارقة لافتة، تزامن هذا الحدث الفلكي مع تسجيل منطقة الخنق بولاية الأغواط أعلى درجة حرارة على مستوى العالم خلال الأربع والعشرين ساعة الماضية، بعدما تصدرت قائمة موقع “طقس إلدورادو” بدرجة بلغت 48.9 درجة مئوية. كما جاءت ولاية أدرار ضمن القائمة ذاتها في المرتبة الثالثة عشرة بدرجة حرارة وصلت إلى 47.4 درجة مئوية، في مشهد يعكس الخصائص المناخية الفريدة للمجال الصحراوي الجزائري.
ولا تتوقف رمزية الخنق عند هذا الحد؛ فالمنطقة تحتضن واحدة من أبرز المنشآت الشمسية في الجزائر، وهي محطة الطاقة الشمسية الكهروضوئية بقدرة إنتاجية تبلغ 60 ميغاواط، دخلت حيز الخدمة سنة 2016 كنموذج أولي يجسد توجه البلاد نحو تنويع مزيجها الطاقوي وتعزيز مسار الانتقال نحو الطاقات المتجددة.
ومن اللافت أن هذا التلاقي بين أطول أيام السنة، وأعلى درجات الحرارة المسجلة عالميًا، ووجود إحدى أهم المحطات الشمسية الوطنية في المنطقة نفسها، يعيد إلى الواجهة فكرة قديمة حملت بعدًا استشرافيًا. ففي شهر جوان من سنة 2005، اقترح مركز تنمية الطاقات المتجددة اعتماد يوم 21 جوان موعدًا رمزيًا لـ”الطاقة الشمسية في الجزائر”، يُحتفى به سنويًا عبر تظاهرات علمية وتحسيسية تهدف إلى نشر ثقافة استغلال الطاقة الشمسية، والدفع بمشاريعها ضمن مخططات التنمية الوطنية.
وبين المعطيات الفلكية والمؤشرات المناخية والرهانات الاقتصادية، يبدو أن 21 جوان لا يختزل مجرد بداية فصل جديد، بل يختصر أيضًا قصة بلد يمتلك أحد أكبر مخزونات الإشعاع الشمسي في العالم، ويملك من المقومات ما يؤهله لتحويل حرارة الصحراء وضوء الشمس إلى رافعة حقيقية للتنمية المستدامة والأمن الطاقوي.
لكن.. معادلة الحرارة المرتفعة أكثر تعقيدًا
قد يبدو الأمر مفاجئًا للكثيرين، لكن الألواح الشمسية لا تعمل بالحرارة، بل بالضوء، فكلما اشتدت موجات الحر في فصل الصيف، يتبادر إلى الأذهان أن إنتاج الكهرباء الشمسية يبلغ ذروته تلقائيًا، غير أن الواقع العلمي أكثر تعقيدًا من هذه الفكرة الشائعة.
تعتمد الألواح الكهروضوئية على مواد من أشباه الموصلات، أبرزها السيليكون. وعندما تسقط جزيئات الضوء المعروفة بـ”الفوتونات” على الخلايا الشمسية، فإنها تحفّز الإلكترونات داخل هذه المواد وتدفعها إلى الحركة، ما يؤدي إلى توليد تيار كهربائي قابل للاستغلال.
وبذلك، فإن العامل الحاسم في إنتاج الكهرباء ليس ارتفاع درجات الحرارة، وإنما وفرة الإشعاع الشمسي وجودة الضوء وعدد ساعات السطوع.
ومن هذا المنطلق، تبرز الصحراء الجزائرية كإحدى أكثر المناطق ملاءمة لتطوير مشاريع الطاقة الشمسية، بفضل معدلات الإشعاع المرتفعة وصفاء السماء وطول ساعات النهار، التي تتجاوز خلال فترة الانقلاب الصيفي 15 ساعة يوميًا في بعض المناطق الجنوبية.
وتمنح هذه الخصائص، الجزائر مخزونًا طبيعيًا استثنائيًا من الطاقة الشمسية، وتؤكد مجددًا الإمكانات الكبيرة التي تمتلكها للتحول إلى قطب إقليمي في مجال الطاقات المتجددة.
لكن المفارقة تكمن في أن الحرارة المفرطة قد تتحول إلى عامل يحدّ من أداء الألواح الشمسية بدل أن تعززه، فهذه الخلايا هي في نهاية المطاف أجهزة إلكترونية، ومثل الهواتف الذكية والحواسيب، تتأثر سلبًا عند التعرض لدرجات حرارة مرتفعة لفترات طويلة.
وتُصمم معظم الألواح الشمسية لتحقيق أفضل أداء عند درجة حرارة معيارية تبلغ 25 درجة مئوية.
ويُعرف هذا التأثير بما يسمى “معامل درجة الحرارة”، الذي يحدد مقدار التراجع في الأداء مع ارتفاع حرارة الخلية.
فعندما ترتفع درجة حرارة اللوح نفسه بسبب الظروف المناخية القاسية، تنخفض قيمة الجهد الكهربائي الذي تنتجه الخلايا، ما يؤدي تلقائيًا إلى تراجع كفاءة الإنتاج.
وفي حالات الطقس الحار جدًا، كتلك التي سجلت فيها بعض مناطق الجنوب الجزائري درجات حرارة بلغت 48.9 درجة مئوية في الظل، قد تتجاوز حرارة سطح اللوح المكشوف لأشعة الشمس المباشرة 70 درجة مئوية.
وفي هذه الظروف، يمكن أن تنخفض كفاءة الإنتاج بنسبة تتراوح بين 0.3 و0.5 في المائة عن كل درجة مئوية تتجاوز عتبة 25 درجة، وهو ما يفسر تراجع الأداء النسبي للألواح خلال فترات الحر الشديد رغم قوة الإشعاع الشمسي.
هذه الحقيقة العلمية لا تقلل من أهمية الطاقة الشمسية في الجزائر، بل تبرز ضرورة اعتماد تقنيات تصميم وتشغيل متطورة تأخذ بعين الاعتبار الخصوصيات المناخية للمناطق الصحراوية، من خلال تحسين التهوية الطبيعية للألواح، واختيار تجهيزات ذات معامل حراري منخفض، وتطوير حلول تبريد مبتكرة عند الحاجة.
وهنا تجدر الإشارة إلى أن ثروة الجزائر الشمسية لا تُقاس فقط بارتفاع درجات الحرارة، بل بوفرة الضوء الذي يغمر سماءها معظم أيام السنة.
فالشمس التي تشرق لساعات طويلة فوق الصحراء الجزائرية تمثل فرصة استراتيجية حقيقية، شرط استغلالها وفق فهم علمي دقيق يميز بين حرارة الشمس وضوئها، ويحوّل هذا المورد الطبيعي الهائل إلى رافعة للتنمية والأمن الطاقوي.
الحلول الجيلية: كيف نتغلب على قسوة المناخ في محطة الخنق؟
لتطوير منطقة الخنق بولاية الأغواط وتحويلها من مجرد محطة توليد عادية إلى قطب تكنولوجي وطاقة نموذجي ومستدام يعتمد عليه في قلب الصحراء، يجب التفكير في الجيل القادم من حلول الطاقة الشمسية للمناطق القاحلة.
ولتحقيق هذه القفزة وتحويل الخنق إلى قطب طاقوي رائد عالمياً، لا يتوقف الأمر عند توسيع مساحات الألواح، بل يتطلب إدراج حزمة من الإصلاحات التكنولوجية التي تتكيف مع البيئة الصحراوية القاسية وفي مقدمتها:
- أنظمة التنظيف الذاتي الذكية (روبوتات التنظيف)، إذ تعاني المناطق الصحراوية من العواصف الرملية وتراكم الغبار والذي يمكن أن يخفض كفاءة الألواح بنسبة تصل إلى 30% في غضون أسابيع قليلة.
وتؤكد دراسات أن إدخال روبوتات تنظيف جافة بدون استخدام المياه الحيوية تعمل بشكل آلي ومستمر، يعد خطوة أساسية للحفاظ على استقرار الإنتاج.
- تبني تقنية الألواح ثنائية الوجه، فبدلاً من الألواح التقليدية، تتيح هذه التقنية امتصاص الضوء من الجهتين، ويستقبل الوجه الأمامي أشعة الشمس المباشرة، بينما يستغل الوجه الخلفي انعكاس الأشعة على الرمال البيضاء المحيطة ما يعرف علمياً بتأثير الألبيدو، مما يرفع كفاءة التوليد بنسبة تتجاوز 20%.
- التكامل بين الطاقة الكهروضوئية والحرارية المركزة، أي الدمج بين المحطة الحالية (التي تنتج الكهرباء نهاراً فقط وتتأثر بالحرارة) وبين محطات الطاقة الشمسية الحرارية المركزة التي تستخدم المرايا لتركيز الحرارة وتخزينها في أملاح منصهرة.
وهذا التكامل يضمن استمرار تدفق الكهرباء حتى بعد غروب الشمس، وتحويل المنطقة إلى مصدر طاقة مستقر على مدار 24 ساعة.
- مستشعرات التتبع الذكي، وهنا يتعلق الأمر بتحديث أنظمة التثبيت لتصبح متحركة تتبع حركة الشمس بدقة من الشروق إلى الغروب، مما يضمن أقصى استفادة من الـ 15 ساعة كاملة من ضوء النهار خلال الانقلاب الصيفي والذروات الأخرى.



لا يوجد تعليقات بعد! كن أول المعلّقين