وصلنا إلى الجمعة بني حبيبي، المنطقة الأكثر تضررًا في ولاية جيجل من حرائق الغابات، في حدود الساعة التاسعة صباحًا من يوم الإثنين، دخلنا إلى محل لبيع المواد الغذائية في المدينة لاقتناء قارورة ماء. كان الماء البارد قد نفد بالكامل منذ ساعات الصباح الأولى.

وجدنا البائع يتحدث بوجع عن النار، ويروي تفاصيل المأساة لعمتي وناسة، جارته التي استيقظت وتوجهت مباشرة إلى المحل لمعرفة آخر المستجدات.

جثث وضحايا على الطريق

يروي لنا البائع كيف باغتت النيران أهل المنطقة وأسقطت عددًا كبيرًا من الضحايا. يقول إنه هبّ إلى المناطق الغابية القريبة من المدينة، وفي طريقه عثر على أكثر من 20 شخصًا ملقين على الأرض، وقد فقدوا القدرة على التنفس، وكان بعضهم يرتدي الزي العسكري.

حاول، رفقة شباب المنطقة، إنقاذ بعضهم، فحملوهم على الأكتاف وأبعدوهم عن مناطق الخطر، في محاولة يائسة لإنقاذ من يمكن إنقاذه.

في تلك اللحظة، جذبتني عمتي وناسة إلى خارج المحل، بعدما أخبرتها أنني صحفي قدمت إلى المنطقة لتغطية الكارثة. راحت تشير بأصابعها المرتعشة، بفعل كبر سنها، إلى الغابات القريبة التي تحولت إلى رماد أسود.

وبالقرب من منزلها، كانت تُلقى جثث الضحايا الذين التهمتهم النيران.

تقول إنها كانت تقف في شرفة منزلها عندما انقلب كل شيء رأسًا على عقب، ألسنة اللهب تتصاعد، وأعمدة الدخان تعلو المكان، وأخبار الموت تصل من كل جهة: “فلان مات.. فلانة ماتت”.

عرس يتحول إلى جنازة

بينما كان الناس يعيشون حياتهم العادية في قرية أولاد معنصر، باغتت النيران أحد المنازل، وكان بداخله عدد كبير من الأشخاص الذين كانوا يحضرون حفل زفاف.

تصف عمتي وناسة الفاجعة بكلمات قليلة، لكنها تختصر حجم المأساة، “خلاتها عليهم كامل”… أي قضت عليهم جميعًا.

بوغاشة سمير، مواطن من الجمعة بني حبيبي، أنقذ والدته وأخته على متن دراجته النارية، لكنه أصيب بجروح بليغة في ساقه أثناء عملية الإنقاذ.

يقول إن النيران باغتت السكان على حين غرة، وزادت سرعة الرياح، التي وصلت إلى نحو 100 كلم في الساعة، من خطورتها وسرعة انتشارها.

“لمحنا ألسنة النيران من بعيد، لكن في ظرف قصير جدًا وصلت إلى بيوتنا. تضرر الناس كثيرًا في قرية أولاد فاتح وجبل المصلى والطيانة، وهناك عائلات كثيرة لحقتها أضرار بليغة، إلى جانب الحيوانات والممتلكات”.

يؤكد سمير أن من نجوا من النيران هم أولئك الذين احتموا داخل منازلهم المشيدة بالخرسانة والآجر ورفضوا الهروب والمغادرة، بينما لحقت النيران بمن حاولوا الفرار.

الرماد يمينا وشمالا

تقدمنا إلى المناطق الأمامية، نحو الأماكن التي وصلت إليها الحرائق. كان الرماد يحاصرنا يمينا وشمالا، ولم يسلم من النار سوى “سراط” معبد.

سيارات محروقة ومنحرفة عن مسارها بالقرب من الطريق، وحيوانات نافقة تنبعث منها روائح كريهة بدأت تشكل خطرا على السكان، ومنازل مهدمة بعدما أتت عليها النيران، وأرض تشققت كأن زلزالا ضرب المنطقة.

يقول السكان إن عملية إجلائهم وإخطارهم من طرف السلطات الرسمية بخطورة الحرائق لم تتم بالشكل الكافي، وإن سرعة انتشار النيران ربما لم تترك الوقت اللازم للقيام بذلك.

عائلات أُبيدت

عائلات بومزيبرة وشلار وبلبهيم وشليغم ودغبار وبوحبيلة وحنانس كانت من بين الأكثر تضررًا من الحرائق بالجمعة بني حبيبي، بعدما فقدت العديد من أبنائها، بينما لا يزال البعض يصارع من أجل البقاء في المستشفيات، في وقت تتواصل فيه عمليات البحث عن آخرين في عداد المفقودين.

ويصرح رئيس بلدية الجمعة بني حبيبي لمنصة “أوراس” بأن عدد ضحايا الحرائق، إلى غاية يوم الإثنين، بلغ في حصيلة أولية بالمنطقة نحو 104 ضحايا، فيما يقول مواطنون إن العدد أكبر ويقارب 200.

آثار الحريق

في منطقة تيسبيلان، قابلنا عمي دوادي، الذي كان يقف فوق الرماد ويتفقد المكان. بالقرب منه كانت سيارتان من نوع “404 باشي” قد انحرفتا عن مسارهما، وقد احترقتا بالكامل.

أخبرنا أن السيارتين كانتا للأخوين عبد الله ومحمد من عائلة حميدات، وأنهما لقيا حتفهما. ويضيف أن أجزاء من جثمان أحدهما عُثر عليها لاحقًا في إحدى الشعاب بالقرب من السيارة.

أما بلال بوالعام، وهو أستاذ جامعي من المنطقة، فيتحدث بأسى عما وصفها بـ”المحرقة” التي لحقت بأهالي تيسبيلان.

أرانا حذاء امرأة قضت، إلى جانب ثلاثة أشخاص آخرين، في المكان نفسه، على بعد أمتار قليلة من منزله. ويؤكد لنا أن نحو 150 شخصًا ممن يعرفهم لم يعودوا على قيد الحياة.

ثم اقتادنا، بخطوات متثاقلة، إلى المنزل، ليطلعنا بحسرة كبيرة على الدمار الذي لحق بأشجار التين والبرتقال والبرقوق والعنب التي كان يعتني بها طوال يومه.

“تاغراست.. لن نهجر أرض أجدادنا”

في قرية تاغراست، التابعة إداريًا إلى بلدية برج الطهر بدائرة الشقفة، لم يكن المشهد أقل قسوة.

الجبال التي كانت مخضرة أتت عليها النيران واكتست بالسواد، وسكان المنطقة بوجوه شاحبة يروون عطشهم بماء ساخن وصل ضمن المساعدات الإنسانية، في ظل غياب أجهزة التبريد وانقطاع التيار الكهربائي منذ يوم اندلاع الحرائق.

توقفنا عند أحد الشباب، كان يحتسي كوبًا من القهوة، ثم تلفظ معنا ببضع كلمات وعينيه اغرورقتا بالدموع:

“وداعًا للسياحة في جيجل.. حرقوها. برأيهم سنغادر أرضنا نحو المدينة، هذا لن يحدث. هنا، في أرض أجدادنا، سنموت”. يقول هذا رغم أن الأرض أصبحت قاحلة والأشجار والمحاصيل الزراعية أبيدت وظروف الحياة شبه منعدمة.

قبل ساعات قليلة، يخبرنا أنه تم انتشال ثلاثة ضحايا من مجرى مائي أسفل طريق معبد، بعدما لجأوا إليه فرارًا من الكارثة التي حلت بهم.

ثم يضيف: “نحو 30 فردًا، بينهم أنا، احتمينا خلف حائط مبنى ملحقة البلدية أثناء نشوب النيران. وقد نجونا بأعجوبة من ألسنة اللهب التي كانت قادمة إلينا بسرعة جنونية لم نشهد لها مثيلا في حياتنا”.

بصيص أمل

تقف خالتي خدوجة على حافة الطريق بالقرب من حطام منزلها. تسلمت بضعة أطباق من قوافل المساعدات، رغم أنها لا تدري ماذا ستفعل بها بعدما فقدت مطبخها وكامل منزلها.

وسط المأساة، يبرز بصيص من الأمل.

مساعدات تتدفق من مختلف ولايات الجزائر وتصل إلى أعالي الجبال، يتلقفها المتضررون بلهفة وتدافع، بعدما وجد كثير منهم أنفسهم، بين عشية وضحاها، في ظلام دامس، بلا مأوى ولا ملبس ولا أجهزة منزلية ولا أشجار ولا محاصيل زراعية.

يشيد سكان المشاتي المنكوبة بهبة الجزائريين ووقوفهم إلى جانبهم في محنتهم. ويعترف كثير منهم بأن المبادرات الإنسانية خففت من وطأة الأزمة، ومنحتهم إحساسا بأن الشعب الجزائري يقف إلى جانبهم في هذا الظرف العصيب.

عمال سونلغاز يواصلون، تحت حر الشمس، إصلاح الأعطاب والعمل على إعادة التيار الكهربائي. وتصل صهاريج المياه تباعا إلى المنطقة لتزويد المواطنين بالماء.

وتطمئن السلطات الرسمية السكان بتوفير الأجهزة الكهرومنزلية في أقرب وقت، في وقت شرعت فيه الجهات المختصة في إحصاء المتضررين تمهيدًا لتعويضهم.

عدنا أدراجنا

غادرنا المنطقة وسط الرماد المنتشر في كل مكان، وفي قلوبنا غصّة، فيما ظلت مشاهد الرعب عالقة في الأذهان.

عائلات مشردة، وأخرى مكلومة بفقدان أفراد منها، وحيوانات نافقة مرمية على الطريق، وسيارات أتت عليها النيران، ومنازل تحولت إلى أنقاض.. كل شيء هنا يشهد على حجم المأساة.

شخصيًا، لم أشهد مثل هذه الحرائق في حياتي.

تختلف الروايات في أسبابها، وتتعدد الشهادات حول ما حدث، لكن الجميع يتفق على شيء واحد: هول الكارثة التي مرّت من هنا وتركت وراءها رمادا كثيرا وذاكرة مثقلة بالفقد.