في وقت تتسارع فيه وتيرة التطور التكنولوجي، ويحذر كبار خبراء العالم من التحول الرقمي الهائل وتأثيره على حياة المجتمعات في شتى المجالات خاصة بما يتعلق بسوق العمل، جاءت المفاجأة من العالم الشهير وأحد “آباء الذكاء الاصطناعي”، جيفري هينتون

السباكة مهنة المستقبل

رغم الاعتقاد السائد بأن مهن المستقبل تدور حول البرمجة والتقنيات الرقمية، يرى عراب الذكاء الاصطناعي “هينتون” أن السبيل الأضمن لمستقبل مهني مستقر هو تعلم السباكة أو أي مهنة تعتمد على القدرة البشرية في التلاعب الفيزيائي.

وفي حديثه لبودكاست “يوميات المدير التنفيذي” (The Diary of a CEO)، قال هينتون: “إن الذكاء الاصطناعي سيستبدل الجميع في الأعمال الفكرية الرتيبة. أما التلاعب الفيزيائي المعقد، فسيظل صعبا على الآلات لفترة طويلة.. لذا، الرهان الجيد هو أن تصبح سباكا.”

لماذا مهنة السباكة؟

وفقا لما صرح به “جيفري هينتون”، أن مهنة السباكة تمثل أحد الخيارات القليلة التي ستظل في مأمن من الذكاء الاصطناعي في المستقبل القريب.

والسبب في ذلك أن الذكاء الاصطناعي، رغم قدرته الهائلة على تحليل البيانات وأداء المهام الذهنية المعقدة، لا يزال ضعيفا أمام المهارات اليدوية الدقيقة والتعامل مع البيئات المتغيرة وغير المنظمة وهي السمات الجوهرية في مهن مثل السباكة.

فالسباك يتعامل مع مواقف غير متكررة، وحلول فورية تتطلب فهما سياقيا ومهارة حركية عالية، وهي قدرات يصعب محاكاتها برمجيا أو عبر الروبوتات الحالية.

وعلى إثر ذلك، يرى هينتون وآخرون أن السباكة ليست فقط مهنة تقليدية، بل خيارا ذكيا ومستقبليا في زمن سيطرت فيه الآلة على المهارات الفكرية الرتيبة.

إلغاء الوظائف وخلق فرص جديدة

“هينتون” لم يكن وحده في هذا التحذير، فقد أكد “داريو أمودي”، الرئيس التنفيذي لشركة “أنثروبيك” المتخصصة في الذكاء الاصطناعي، أن ما يصل إلى نصف وظائف المكاتب البيضاء للمبتدئين وهي -الوظائف المكتبية التي لا تتطلب جهدا بدنيا كبيرا، وغالبا ما يشغلها الخريجون الجدد أو الأشخاص في بداية مسيرتهم المهنية- قد تختفي خلال خمس سنوات، ما قد يرفع نسبة البطالة إلى 20%.

وفي الوقت الذي يحذر فيه بعض الخبراء من تأثير الذكاء الاصطناعي على سوق العمل التقليدي، يرى آخرون أن هذه التكنولوجيا ستفتح أبوابا واسعة أمام مهن جديدة وواعدة.

ففي حديثه خلال أسبوع التكنولوجيا في لندن (London Tech Week)، صرح “ديميس هاسابيس”، المؤسس المشارك لشركة Google DeepMind، “أن الذكاء الاصطناعي سيسهم في خلق “وظائف ذات قيمة عالية”، كما سيمنح دفعة قوية للأشخاص ذوي الكفاءات التقنية العالية، ممن يقودون استخدام هذه التقنيات المتقدمة.

وأكد “هاسابيس” أن الإنسان “قادر على التكيف بلا حدود”، داعيا الشباب إلى الاستمرار في دراسة مواد STEM (العلوم، التكنولوجيا، الهندسة، والرياضيات).

وفي إجابته على أحد أسئلة الصحفيين، على هامش مشاركته في معرض VivaTech بالعاصمة الفرنسية باريس خلال شهر جوان الماضي، صرح الرئيس التنفيذي لشركة إنفيديا (NVIDIA)، جين سون هوانغ: “هل أعتقد أن الذكاء الاصطناعي سيغير الوظائف؟ نعم، سيغير وظائف الجميع. لقد غير حتى وظيفتي.”

وأكد هوانغ أن بعض الوظائف التقليدية قد تختفي بالفعل بفعل التقدم السريع في الذكاء الاصطناعي، لكنه شدد في المقابل على أن هذه التكنولوجيا قد تفتح أيضا آفاقا جديدة للإبداع والابتكار، وتعيد تشكيل سوق العمل بطريقة أكثر ديناميكية.

تشير هذه الرؤى إلى أن الذكاء الاصطناعي، رغم أنه قد يقصي بعض الوظائف التقليدية، إلا أنه في المقابل يفتح المجال لمهن أكثر تطورا وإبداعا، شرط أن يواكب الإنسان هذه النقلة المعرفية والتقنية.

كما تبرز مهن مثل السباكة، والنجارة، والخدمات اليدوية، كخيارات واقعية وآمنة، لا تزال خارج متناول الذكاء الاصطناعي، على الأقل في المستقبل القريب.