تدور رحى الحرب في أوكرانيا، تأتي الصواريخ الروسية والقصف المدفعي على رؤوس المدن وشواهدها، من دونباس شرقا إلى لفيف غربا مرورا بالعاصمة كييف، لا شيئ يلوح بجد في فضاء التسوية إلا بعض المساعي التركية، أو المكالمات الفرنسية للرئيس الروسي فلاديمير بوتين، ولقاءات غير موصولة بين طرفي النزاع الروسي والأوكراني، لم تنضج بعد لتصبح خطة سلام مفيدة للمشردين من بيوتهم والمهجرين من ديارهم.
تتورط أوروبا في مأزق حرب تبنتها واشنطن، ودفعت برئيس أوكرانيا “فولوديمير زيلينكي”، المفتون بعشقه للتعاليم الغربية، إلى أتونها باللسان والسلاح، وكثير من الشحن والتشجيعات، وتركت الشعب الأوكراني في مواجهة حَنَق “فلاديمير بوتين” يدفع الثمن من أرواحه وممتلكاته.
موقف الجزائر والعرب
يغيب العرب عن مساعي السلام، صدر بيان لجامعتهم مُفاده كالعادة تشكيل لجنة لمتابعة الأوضاع في أوكرانيا. قليل منهم وقف مع روسيا، بواحا أو تضمينا، ومنهم من وقف مع عرابة الحرب الولايات المتحدة جهارا أو مواربة، ومنهم من يمسك العصا من الوسط اتقاء غضب واشنطن، أو نأيا بمصالحه من سخط موسكو.
“حادثة التجنيد” التي أطلقتها السفارة الأوكرانية ومنعتها السلطات الجزائرية بناء على سياسة الجزائر التي تقول إنها “ترفض المشاركة في أي نزاع”، كانت أبرز معلم في مواقف الجزائر من حرب روسيا على أوكرانيا. لم تكلف الجزائر نفسها عناء التعليق عن الحادثة أو عن الحرب بشكل مباشر، معتقدة أن مواقفها المبدئية من النزاعات الدولية ستشفع لها في تقديم أي تفسير للموقف مهما تجددت الحالات وتعددت.
لغة الاقتصاد والتسلّح
من نافلة القول إن علاقات الجزائر بموسكو مميزة، فالكل يعرف أن معظم سلاح قواتها العسكرية من روسيا. حاولت الجزائر بعد سقوط الاتحاد السوفياتي في بداية التسعينيات تنويع مصادر سلاحها، ولكنها أبقت على حصة الأسد لصالح روسيا التي تستأثر بأهم المعدات في سلاح الطيران والدبابات والمدفعية، كما أن موسكو والجزائر ترتبطان باتفاقيات شراكة تعود إلى العهد السوفياتي ترتاح الجزائر في استمرار العمل بها، خاصة وأنه لم يُعرف عن روسيا أي تنغيص لتلك العلاقات الهادئة والعملية، والتي تعززت منذ 2001، بعد توقيع البلدين على “اتفاقية التعاون الاستراتيجي”.
موسكو أيضا تعرف جيدا أن غاز الجزائر المنقول إلى كل من إيطاليا، وإسبانيا والبرتغال (42 مليار متر مكعب سنويا) لا يمكنه بأي حال من الأحوال أن يشكل تهديدا لمصالحها في تسويق غازها إلى أوروبا. هي تعلم يقينا أن كميات الغاز المرسلة لا تفي إلا بطلب محدود للزبائن في أوروبا، وتعرف أيضا أن زيارات المسؤولين الإسبان أو الإيطاليين إلى الجزائر هدفها فقط ضمان تزويدهما بالكميات المطلوبة، والمبرمجة سلفا. وهو ما أكدته الجزائر التي لا تريد اتخاذ أي موقف يبدو وكأنه باتجاه الإخلال بأي عقود، خاصة وأنها ترتبط بمصالح اقتصادية كبيرة مع الاتحاد الأوروبي من خلال “اتفاق الشراكة الاقتصادية والتجارية” منذ النصف الثاني من تسعينيات القرن الماضي.
من نافلة القول إن علاقات الجزائر بموسكو مميزة، فالكل يعرف أن معظم سلاح قواتها العسكرية من روسيا
احتمال إضافة كميات جديدة إلى السوق الأوروبية غير وارد الآن بسبب محدودية الإنتاج الجزائري من الغاز، ذلك أن استكشاف حقول جديدة توقفت في السنوات الأخيرة، نظرا لغياب تمويل خاص لهذه الاستكشافات، والتريث في استغلال الغاز الصخري، وهو ما عطل بالتالي رفع انتاج الجزائر من كميات الغاز، والولوج إلى أسواق جديدة أو زيادة الضخ في الأسواق التقليدية. وعلى الجزائر انتظار سنوات من أجل استكشاف حقول غاز أخرى، عقب تلقي سوناطراك مؤخرا أموالا من الخزينة العامة تمكنها من رفع قدرتها الإنتاجية.
نكسة الاتحاد السوفياتي
تعرف الجزائر أيضا أن سقوط الاتحاد السوفياتي المدوي في بداية التسعينيات أدى إلى سقوط قطبي التضاد بين الشرق والغرب، ما أدى إلى استحواذ الولايات المتحدة، ومن والاها من الدول الأوربية على مقاليد التسلط في العالم، وفرض عولمة ذات لون واحد تريد تصدير منتوجها الفكري، وأساليب حياتها إلى مختلف بقاع العالم، وفرض هيمنتها على الجميع، وبسط يدها على الثقافات والأمم الأخرى، باسم الحضارة الغربية التي لا تراعي خصوصيات الشعوب وثقافاتهم، ومنتوجهم الحضاري، ومرجعياتهم الدينية، والعقائدية.
الجزائر المحاذية لأوروبا والقريبة من أماكن النزاعات في الشرق الأوسط تعي جيدا ظروفها وإمكاناتها، وفي ذاكرتها القريبة أمرُ زجها في حرب أهلية في تسعينيات القرن الفائت. تقترب أيضا من صراعات المصالح والقوى في دول الجوار من ليبيا ومالي وغيرهما، تعرف حدود أمنها الجغرافي والاستراتيجي، الذي لا يكون الذود عنه، وعن مصالحها بالتالي إلا من خلال قراءة متأنية في المشهد الجواري والدولي، تتغلب فيه المصلحة الوطنية أولا وقبل كل شيء.









لا يوجد تعليقات بعد! كن أول المعلّقين