أثار إدراج نص للمؤرخ الفرنسي بنجامين ستورا ضمن موضوع امتحان اللغة الفرنسية لشهادة البكالوريا 2025 في الجزائر موجة استياء واسعة في الأوساط الأكاديمية والثقافية، حيث اعتُبر النص – الذي يتناول مسألة الملكية العقارية في الحقبة الاستعمارية – “محاباة للسردية الكولونيالية الفرنسية” و”تزييفًا للحقائق التاريخية المتعلقة بتجريد الجزائريين من أراضيهم”.

ويُحذّر مختصون من أن اعتماد مثل هذه النصوص في الامتحانات الرسمية يُهدد وعي الأجيال الجديدة بتاريخهم الوطني ويُسهم في تبييض الجرائم الاستعمارية.

انتقد عدد من الأكاديميين والمثقفين الجزائريين بشدة مضمون النص، وقالوا إنه يحتوي على “مغالطات تاريخية خطيرة”، أبرزها الادعاء بعدم وجود ملكية خاصة للأراضي في الجزائر قبل الاحتلال الفرنسي سنة 1830.

يقول المؤرّخ الجزائري المرجعي في تاريخ الاستعمار في الجزائر حسني كيتوني: “أريد أن أصرخ بدهشة وذهول من هذا الاختيار. كيف يمكن، في عام 2025، أن نقدّم لطلبتنا المستقبليين نصاً يروّج من بدايته إلى نهايته للسردية الاستعمارية الأكثر سخفاً، المليئة بالأكاذيب والمغالطات والادعاءات الباطلة من الناحية التاريخية؟.”

ويقول ستورا في نص امتحان البكالوريا:

“قبل وصول الأوروبيين، كانت الجزائر تجهل مفهوم الملكية الخاصة. فقد كانت تعرف فقط نظامًا هرميًا معقدًا لحقوق الاستعمال، الذي كان ينقسم إلى فئتين: حقوق الباي بصفته الحاكم، وحقوق القبائل. بعد الغزو، صادرَت الدولة الفرنسية، باسم سيادتها، أراضي الباي، ثم قامت بتوزيعها على المستوطنين الأوروبيين.”

وهنا، يوضح المؤرّخ الجزائري حسني كيتوني، أن هذا الطرح يناقض تمامًا ما هو موثق لدى المؤرخين الجزائريين، الذين أثبتوا أن الأراضي الفلاحية في المناطق الجبلية والمزارع الصغيرة والواحات، كانت تخضع لملكية خاصة، وأن الاستعمار الفرنسي عمد إلى انتزاع هذه الأراضي بالقوة من أصحابها الأصليين.

وجاء في نص المؤرخ اليهودي الفرنسي ستورا: “حتى عام 1914، ربط الاستعمار الفرنسي مستقبله الاقتصادي تقريبًا بشكل حصري بالزراعة. فصار الاستعمار والاستعمار الزراعي مترادفين، إلى درجة أن كلمة “مُستَعمِر” في فرنسا (المتروبول) أصبحت تطلق على جميع سكان المستعمرات الأوروبيين، بينما كانت تعني بالنسبة للأوروبيين في الجزائر: فقط الفلاحين المستعمرين.”

ويعلق المؤرخ الجزائري حسني كيتوني على مضمون نص ستورا، قائلا: “إن الحديث عن ربط الاستعمار بمستقبل زراعي “هو تبرير تقني يخفي واقعًا سياسيًا واجتماعيًا قاسيًا”، تمثل في الاستغلال الممنهج للعمل الجزائري، والنهب المنظم للأراضي، وفرض ضرائب مجحفة، فضلاً عن تشجيع الاستيطان الأوروبي واسع النطاق.

ومن بين أبرز ما تم تجاهله في النص، وفق المتخصصين، ما يعرف بـ”نظام الحجز العقاري” أو الـSéquestre، الذي مكّن الإدارة الاستعمارية من مصادرة أكثر من 500 ألف هكتار سنة 1871 وحدها، وهو ما اعتُبر أحد أخطر أدوات التجريد من الأراضي وأكثرها ظلمًا في التاريخ الاستعماري الفرنسي.

ويخشى المعترضون على مضمون النص أن يؤثر هذا النوع من المواضيع على وعي التلاميذ بتاريخهم الوطني، خاصة وأنه “يغيّب صوت الضحايا الحقيقيين للسياسات الاستعمارية”، ويروج لقراءة “تخفف من فداحة الجرائم التاريخية المرتكبة بحق الفلاحين الجزائريين”.