ليلة هادئة على شاطئ “لابيروز” شرقي العاصمة الجزائرية، تحوّلت فجأة إلى مشهد هروب سينمائي. سبعة فتيان، بالكاد خرجوا من طفولتهم، خطّطوا لرحلة محفوفة بالمخاطر، سرقوا قاربًا صغيرًا في جنح الظلام، وانطلقوا صوب الضفة الأخرى من المتوسط، يتحدّون البحر والحدود، وربما مصيرًا مجهولاً.
بعد تسع ساعات متواصلة فوق أمواج لا ترحم، تعطل المحرك خمس مرات وأصلحوه. عند وصولهم إلى سواحل جزيرة إيبيزا الإسبانية، أسدل خفر السواحل الستار على الرحلة. اقتيد الشبان إلى مركز احتجاز مخصص للقُصّر، لكن بدلاً من العودة، كان بانتظارهم مسار جديد بعيد عن الوطن كما أرادوا.
القصة، التي بدت أقرب إلى الخيال، سرعان ما هزّت الرأي العام. الناشط الإسباني فرانشيسكو خوسي كليمنتي كشف تفاصيل الرحلة، نشر صور القارب، وأكد أن أعمارهم تتراوح بين 14 و17 عامًا. سرعان ما أكّد الفتيان بأنفسهم الخبر، بنشر مقاطع فيديو توثّق لحظة مغادرتهم الجزائر ووصولهم إلى إسبانيا.
أحدهم قال في تسجيل مصوّر: “استخدمنا تطبيقًا يحدد المسافة المتبقية حتى وجدنا أنفسنا في إيبيزا. كنا نملأ البنزين من دراجاتنا النارية.
غير أن كلماتهم، التي تتجاوز أعمارهم الصغيرة، أثارت نقاشًا أوسع: هل هي فقط الأزمة الاجتماعية والاقتصادية ما يدفع المراهقين للمخاطرة بحياتهم، أم أن رغبة المغامرة والاكتشاف، والبحث عن “حياة أخرى”، بدأت تعبث بعقول جيل يبحث عن معنى أوسع من حدود وطنه؟
عرض هذا المنشور على Instagram
هذا الحادث المتكرر، ليس الأول من نوعه، ولن يكون الأخير ما لم تعالج الأسباب العميقة التي تدفع القُصَّر إلى المجازفة بحياتهم في عرض البحر.
ولتسليط الضوء على هذه الظاهرة من عدة الجوانب، تحدثنا إلى عدد من المختصين في علم الاجتماع والنفس، لمحاولة فهم الدوافع الحقيقية وراء “الحرقة”، في أوساط المراهقين، ولبحث السبل الممكنة للحد منها.
🔴لا حول ولا قوة إلا بالله
8 أطفال “قصــ.ر” من لابيروز الجزائر العاصمة يقدمون على ســـ.رقة قارب 85 حصان من صــاحبه ويصلون إلى الأراضي الاسبــ.انية دون مرشد.. 🇪🇦 pic.twitter.com/qG5NkOSELm— amir🇩🇿❤️🇩🇿 protect (@57097tiego) September 6, 2025
“هؤلاء ضحايا لأفكار مغلوطة تُسوق لهم كأمل زائف”
من الناحية النفسية، يوضح الأخصائي النفساني محمد ضيف الله ، أن أسباب الهجرة غير الشرعية لدى القُصَّر تعود إلى وضعهم القانوني والاجتماعي الذي لا يعاملهم كبالغين في كثير من المجالات، مما يجعلهم أكثر عرضة للهشاشة والاستغلال.
وأشار محدث أوراس إلى أن “القُصَّر غالبا ما يكونون ضحايا لأفكار مغلوطة تُروج لهم من قبل أشخاص يستغلون حاجتهم إلى الأمل والمستقبل، ويشجعونهم على خوض مخاطر الهجرة نحو الحلم الأوروبي الموهوم، دون أن يكونوا مدركين تماما للعواقب الخطيرة”.
وأضاف المتحدث، أن هذه الأفكار “تنشأ وتتراكم نتيجة الظروف الاجتماعية المحيطة بالقُصَّر، مما يجعلهم ضحايا لتلك الدعوات والتأثيرات التي تحول الحلم إلى مغامرة محفوفة بالمخاطر على حياتهم”.
كما أبرز المختص، تأثير وسائل التواصل الاجتماعي في تغذية الهجرة غير الشرعية لدى القُصَّر، “حيث تروج هذه المنصات في كثير من الأحيان لأوروبا على أنها “جنة المستقبل” والمكان الأمثل لتحقيق الحياة الكريمة”.
وشرح ضيف الله، أن هذا الترويج المتكرر يجعل المراهقين والأطفال أكثر استعدادا للمخاطرة بحياتهم من أجل بلوغ هذا الهدف، حتى مع تزايد المخاطر التي قد تواجههم خلال رحلة الهجرة غير الشرعية”.
“الأسرة دورها جوهري ولكن ليس كافيا“
يرى محدث أوراس، أن الأسرة تلعب دورا محوريا في حماية أبنائها من الوقوع في فخ الهجرة غير الشرعية، مؤكدا أن “على الأسرة أن تبذل جهدا مستمرا في توعية أبنائها حول مخاطر التأثيرات الخارجية، حتى وإن كانت هذه التأثيرات قوية وممنهجة”.
كما أضاف أن الأسرة مسؤولة عن “إحداث توازن في عملية التربية، بحيث يتمكن الأبناء من مواجهة الضغوط الاجتماعية والأفكار المغلوطة، والخروج بأقل قدر ممكن من التأثيرات السلبية والأضرار النفسية”.
وإذا كانت الأسباب النفسية تفسر كيف يمكن أن يدفع القاصر إلى اتخاذ قرار محفوف بالمخاطر تحت تأثير محيطه والتراكمات الشخصية، فإن الأبعاد الاجتماعية والسياسية لا تقل تأثيرا، بل هناك من يعتبرها من الأهداف الرئيسية التي تغذي هذا النوع من السلوك.
“الهجرة تمرد على منظومة لا تُشعرهم بالكرامة”
وفي هذا السياق يؤكد البروفيسور في علم الاجتماع زبيري حسين، أن ما يدفع هؤلاء الشباب إلى خوض مغامرة “الحرقة” هو تأثرهم بالنماذج السابقة الناجحة، التي صنعت في أذهانهم وهما بأن الهجرة نحو أوروبا تعني الخلاص والنجاح، بغض النظر عن الكيفية أو المخاطر.
وأضاف أن هناك ثقافة مترسخة حول الهجرة أصبحت جزء من وعي الشباب، نتيجة شعورهم بأن المنظومة الاجتماعية والسياسية المحلية غير قابلة للعيش بكرامة، ما يولد لديهم رغبة في التمرد والبحث عن بدائل خارج الوطن.
“الهجرة غير الشرعية ثمن سياسي تدفعه الدولة والنخب”
ويرى محدث أوراس أن “هروب الأطفال اليوم هو في الحقيقة ثمن سياسي تدفعه الحكومات المتعاقبة، نتيجة فشلها في تحقيق العدالة الاجتماعية والتقليل من التهميش، إضافة إلى عجز النخبة السياسية والثقافية والمجتمع المدني عن تأطير هؤلاء الشباب وتقديم بدائل حقيقية لهم”.
ويبرز البروفيسور، أن ضعف الواقع الجزائري والعربي عموما، في مقابل الصورة المضخمة عن أوروبا، هو ما جعل الأخيرة تبدو في نظر الشباب كـ”الحلم المنشود”، حتى ولو كان ذلك بثمن الحياة.
ويحمل زبيري مسؤولية هذه الظاهرة إلى الأسرة من جهة، والسياسات الحكومية من جهة أخرى، بسبب فشل المنظومات الاجتماعية في منح الشباب رؤية مستقبلية إيجابية وتفائلية.
كما انتقد بشدة الخطاب المعارض المتشائم الذي يُرّوج لصورة قاتمة عن البلد دون الإشارة لأي تحسن، ما يفاقم الإحباط لدى الشباب ويعزز دوافع “الحرقة”.
أبعاد متعددة لظاهرة مستمرة
يظهر هذا الحادث، وما رافقه من ردود فعل وتحليلات، أن ظاهرة الهجرة غير الشرعية في أوساط القُصَّر، جرس إنذار خطير ينذر بانهيار تدريجي في الثقة بين الأجيال الجديدة ومحيطها.
وتتداخل في خلفياتها عوامل متعددة، منها ما هو مرتبط بالأسرة، ومنها ما يرتبط بالسياسات الحكومية، إلى جانب التأثير المتزايد لوسائل الإعلام ومواقع التواصل الاجتماعي في تشكيل وعي الشباب وتوجهاتهم.
إذ يرى أستاذ علم الاجتماع بفرنسا فيصل إيزدارن أن “حرقة” الأطفال القصر ظاهرة اجتماعية معقدة ذات جذور اقتصادية، اجتماعية، أنثروبولوجية ونفسية أيضا، وهي ضحية التجاهل من جهة، سواء من طرف المسؤولين وانعدام الفهم من جهة العائلات والرأي العام.








