أكد عميد جامع الجزائر، محمد المأمون القاسمي الحسني، أن المسجد مطالب اليوم بالارتقاء بخطابه ليكون خطابا جامعا، يوفق بين الأصالة والمعاصرة، ويميز بدقة بين الثوابت والمتغيرات.

وأوضح القاسمي، في كلمة ألقاها خلال ندوة علمية بعنوان: “رسالة المسجد في المجتمع المعاصر”، أن الواقع الراهن يفرض على المسجد مسؤوليات إضافية، نظرا لتحديات العصر التي تواجه فئة الشباب، الذين يعيشون في عالم مفتوح على مختلف أشكال الإغراء والتشويش.

كما أشار إلى التحديات التي تواجه الأسرة باعتبارها نواة المجتمع، والتي تستهدف اليوم بمخططات تغريبية، وسط عولمة ثقافية وإعلامية قد تدخل أفكارا دخيلة وتضعف المرجعيات الأصيلة.

وشدد العميد على أن الخطاب المطلوب هو الخطاب الأصيل المستنير، من حيث مرتكزاته وموضوعاته، بما يتسم به من تنوع واعتدال، واتصال بالزمان والمكان، ومراعاة للوقائع والمستجدات.

وأضاف أن هذا الخطاب يجب أن يسعى إلى ترقية الحياة الروحية دون أن يهمل متطلبات الحياة المادية، فيعمل على إحياء القلوب وبعث الطاقات الروحية في النفوس، لتكون معتصمة بحبل الله، ومرتبطة به في الأسباب والغايات.

وأشار العميد إلى أن الخطاب المسجدي المعاصر يجب أن يتجه نحو أهداف سامية، في طليعتها تزكية النفوس، وربط القلوب بالله، عبر إحياء معاني الذكر والخشوع، وتعزيز قيمة الإحسان في الحياة العامة.

وشدد المتحدث على أهمية ترسيخ الأخلاق في المجتمع، من خلال غرس قيم الصدق والأمانة، ومحاربة الفساد ومظاهر البغي.

وأضاف أن من أهم مسؤوليات المسجد اليوم، الاهتمام العميق بقضايا الأسرة والشباب، عبر تقديم حلول واقعية تحفظ كيان الأسرة، وتوجه الشباب نحو قيم البناء والانتماء، ليكونوا أفرادا فاعلين في خدمة وطنهم وأمتهم.

وفي السياق ذاته، أبرز القاسمي أهمية تحصين المرجعية الدينية الوطنية، التي أثبتت قدرتها على حماية الجزائر من ويلات الغلو والانحراف، ورسخت نموذجا فريدا للإسلام الوسطي المعتدل، الذي يجمع بين الوفاء للأصول والانفتاح الواعي على العصر.

ودعا إلى نشر ثقافة الحوار، وتعزيز أدب الاختلاف، في مواجهة تصاعد خطابات الكراهية والتعصب، ليظل المسجد فضاء موحدا، جامعا للقلوب، حاميا لوحدة الصف.

واعتبر أن رسالة المسجد اليوم لم تعد محصورة في حدود جدرانه، بل أصبحت مشروعا حضاريا متكاملا، يجمع بين الدين والعلم، وبين الروح والمادة، ويسهم في بناء إنسان متوازن، يؤمن بربه، ويخدم وطنه، ويفهم دينه فهما عميقا، ويحسن تطبيقه بعيدا عن التشدد أو التقوقع.

وختم القاسمي بالتأكيد على أن المجتمع الجزائري، في ظل التحولات الراهنة، أحوج ما يكون اليوم إلى استعادة المسجد لدوره الأصيل، منارة للهداية، ومركزا للوحدة، ومصدرا للأمن الروحي والاجتماعي، ليبقى المسجد قلبا نابضا في حياة الأمة، يضيء دروبها، ويوجه أجيالها نحو الحق والخير والاعتدال.