كشف تحقيق خاص لـ”TRT عربي” كواليس محاولة الاغتيال التي استهدفت وفد حركة حماس المفاوض في قطر، والتفاصيل الدقيقة التي حالت دون مقتل قياداته البارزة.

في التاسع من سبتمبر الماضي، وبين مبانٍ دبلوماسية ومقرات لسفارات أجنبية في قلب العاصمة القطرية الدوحة، كان وفد من حركة حماس يعقد اجتماعًا مغلقًا داخل مجمع سكني يفترض “آمن” لمناقشة العرض الذي قدّمه الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بشأن وقف الحرب في غزة وإتمام صفقة تبادل للأسرى.


ضمّ اللقاء كلاً من خليل الحية، رئيس حركة حماس في غزة ورئيس وفدها المفاوض، وزاهر جبارين، رئيس الحركة في الضفة الغربية، وباسم نعيم، وغازي حمد، إلى جانب طاقمهم الميداني والأمني.

بعد نحو ساعة ونصف من بدء الاجتماع، نفذ جيش الاحتلال “الإسرائيلي” ثلاث غارات متتالية على المجمع، ما أدى إلى مقتل أربعة من كوادر حماس وعنصر من قوات الأمن القطري، فيما نجا أعضاء الوفد القيادي من الهجوم في ظروف ما تزال قيد التحقيق.

أظهرت معلومات “TRT عربي” أن الشهيد همام خليل الحية كان له دور محوري في إحباط المخطط عبر تحركات سريعة داخل موقع الاجتماع، بالتوازي مع تدخل فوري من قوات الأمن القطرية.

ولفت المصدر ذاته حسب معطياته “الحركة لم تتلقَّ أي تحذيرات استخباراتية مسبقة بشأن نية الاحتلال تنفيذ الهجوم، الذي أطلق عليه اسم “قمة النار”، وأعلن تبنّيه رسميًا بعد دقائق من تنفيذه، في سابقة تمثل خرقًا واضحًا لسيادة دولة قطر.

تهديدات مباشرة قبل الهجوم

مع بداية الشهر تحديدا “قبل تسعة أيام” من العملية، هدّد رئيس أركان جيش الاحتلال الإسرائيلي إيال زامير علناً بتصفية قيادات حركة حماس في الخارج.

وقال زامير، خلال تقييم للوضع العسكري بالقيادة الشمالية، إن “معظم قادة حماس يجلسون في الخارج، وسنصل إليهم أيضاً”، مشيراً إلى أن الجيش الإسرائيلي “يعمل بهجوم مستمر وتفوّق عملياتي في جميع الساحات”.

ووفقاً لمصادر TRT عربي، تعاملت الأجهزة الأمنية التابعة لحماس مع تلك التصريحات باعتبارها مؤشراً جدياً على نية تنفيذ عمليات اغتيال جديدة.

ومنذ اغتيال رئيس الحركة إسماعيل هنية في طهران العام الماضي، أعادت حماس ترتيب إجراءاتها الأمنية، مع تشديد خاص على القيادات العاملة خارج فلسطين.

تشديد الحماية والتعمية

 بحسب المصدر رفعت الحركة مستوى الحماية الشخصية لخليل الحية، فعُزل تماماً عن أي أجهزة إلكترونية ذات اتصال لاسلكي، واستُبدلت بها منظومات اتصال داخلية مشفّرة وفّرتها وحدات أمنية متخصصة.

كما كثّفت فرق الحماية المرافقة له إجراءات التمويه وتبديل مواقع الإقامة والعمل بشكل دوري، وفرضت قيوداً على استخدام الإنترنت والأجهزة الذكية من قبل أعضاء القيادة.

ووفقاً للمصدر ذاته، هدفت هذه الإجراءات إلى تقليص فرص الرصد الإلكتروني، وإحباط أي محاولات اختراق استخباراتي سواء من الجانب الإسرائيلي أو من أطراف وسيطة.

كانت تلك الخطوات تمهيداً غير مباشر لفشل عملية الاغتيال لاحقاً، بعدما أثبتت منظومة الحماية فعاليتها في أصعب ظرف ميداني.

لقاءات متتالية مع الوسيط القطري

في اليوم السابق لمحاولة الاغتيال، عقدت قيادة الوفد التفاوضي لحركة حماس اجتماعين متتاليين في الدوحة مع الوسيط القطري، أحدهما جمعهم برئيس مجلس الوزراء ووزير الخارجية القطري الشيخ محمد بن عبد الرحمن آل ثاني.

ووفقاً للمصادر، تناول اللقاءان تفاصيل العرض الأمريكي الذي قدّمه الرئيس دونالد ترامب حول وقف الحرب في غزة وإتمام صفقة تبادل للأسرى.

وطلب الوسيط القطري من وفد الحركة تقديم ردّ نهائي خلال يومين، بعد إتمام المشاورات الداخلية مع القيادة السياسية.

وفي تمام الساعة الواحدة بعد منتصف الليل التي سبقت الهجوم، تلقّت قيادة الفريق التفاوضي نسخة محدّثة ونهائية من المقترح الأمريكي عبر القنوات القطرية، أي قبل أقل من 15 ساعة على القصف.

اجتماع حاسم في الدوحة

صباح اليوم التالي، وبعد اختتام اللقاء مع الوسطاء، دعت حركة حماس أعضاء وفدها إلى اجتماع طارئ داخل مجمع سكني مغلق في العاصمة القطرية الدوحة.


وبحلول الساعة 13:56 ظهراً اكتمل وصول أعضاء الوفد إلى الموقع، يتقدمهم زاهر جبارين، رئيس الحركة في الضفة، تلاه باسم نعيم وغازي حمد.

في تلك الأثناء، كان يُعقد اجتماع تمهيدي محدود ضمّ الشهيدين همام خليل الحية وجهاد لبد، إلى جانب مسؤول الطاقم الأمني للفريق المفاوض.

وبحسب ما كشفه التحقيق، ركّز اللقاء على مراجعة الإجراءات الأمنية النهائية وترتيبات الحماية وفق البروتوكول المعتمد مسبقاً.

إجراءات أمنية دقيقة قبل الانفجار

شدّد همام خليل الحية، خلال الاجتماع التحضيري، على ضرورة الالتزام الحرفي ببنود البروتوكول الأمني، خصوصاً ما يتعلق بخطة التعمية على موقع الاجتماع.

وبناءً على توجيهاته، جرى نقل الوفد بشكل منفصل عبر مركبات متعددة إلى موقع الاجتماع السري لتقليل احتمالات الرصد الجوي أو الإلكتروني.

وتأخر انطلاق الجلسة عشر دقائق بسبب اتصال رئيس الوفد خليل الحية بالوسيط القطري للتشاور حول النقاط الأخيرة في المفاوضات.

بدأ الاجتماع رسمياً عند الساعة 14:12 في المكتب الذي تحوّل لاحقاً إلى مركز القصف “الإسرائيلي”.

المجمع المستهدف في قلب الدوحة

المجمع السكني الذي استخدمته حماس كمقر موقت أنشئ في ديسمبر 2021، واكتمل بناؤه مطلع 2023.

وبحسب مصادر لـTRT عربي، التي وصفتها بـ”الخاصة” بدأت الحركة استخدامه فعلياً في عام 2024 كمركز إداري وتنظيمي مؤقت لقيادتها في الخارج.

يقع المجمع في شارع وادي روضان بمنطقة لقطيفية، ويتألف من خمس فلل مستقلة ومبنى خدمي ملحق بها.

ويُعدّ الحي من أكثر المناطق الدبلوماسية حساسية في العاصمة، حيث تحيط به سفارات الفلبين والأرجنتين واليونان، وعلى بُعد نحو 500 متر السفارات الروسية والعراقية والإسبانية.

توزيع المباني وترتيبات الحماية

وفق التحقيق، وُزّعت مباني المجمع بحيث يشمل مكتباً إدارياً لخليل الحية، ومنزلاً لعائلته، ومقراً للمرافقة الأمنية التابعة للحركة، وآخر للمرافقة القطرية، إضافة إلى مبنى خدمي وفيلا احتياطية للطوارئ.

وأكدت المصادر أن المناورة بين هذه المباني خلال الدقائق الأولى بعد القصف كانت عاملاً أساسياً في نجاة القيادات، إذ تحرك الفريق بسرعة إلى المباني المحصّنة قبل استكمال الغارات الجوية.

الهجوم الجوي “الإسرائيلي”

في تمام الساعة 15:46، وبعد نحو ساعة ونصف من بدء الاجتماع، شنّ جيش الاحتلال الإسرائيلي هجوماً دقيقاً على المجمع السكني مستخدماً ست غارات متتالية.

كل غارة تضمنت صاروخين موجَّهين بدقة عالية، ما أدى إلى دمار هائل في المباني المحيطة.

استهدفت الضربة الأولى مقرّ عائلة خليل الحية، ما أدى إلى استشهاد نجله همام الحية، تلتها الغارة الثانية التي أودت بحياة جهاد لبد، مدير مكتب الحية، إلى جانب مؤمن حسونة وأحمد المالك.


وفي الغارة الثالثة، استُشهد عبد الله عبد الواحد، مسؤول أمن باسم نعيم، أثناء محاولته إنقاذ المصابين.

استهداف الأمن القطري

أما الغارتان الرابعة والخامسة فقد أصابتا منزل خليل الحية مباشرة، ما أدى إلى إصابة زوجته وأفراد عائلته وأحفاده.
واستهدفت الغارة السادسة طاقم الحماية القطرية، وأسفرت عن استشهاد العريف بدر سعد محمد الحميدي الدوسري من قوة الأمن الداخلي وإصابة عدد من عناصر الحماية.

فور وقوع القصف، أصدر مسؤول أمن الفريق المفاوض تعليمات بتفعيل خطة الإخلاء الطارئة، فانطلقت المركبات الخاصة بالإخلاء من نقاط تمركزها القريبة.

تمّ إجلاء القادة أولاً بشكل منفصل، تلتها عملية انتشال المصابين ونقلهم إلى المستشفى لتلقي العلاج، وسط إجراءات أمنية مكثفة.

نتائج التحقيق: فشل استخباراتي واسع

كشف التحقيق أن “إسرائيل” فشلت في تنفيذ أكبر عملية اغتيال خارجية في تاريخها الحديث.

وأرجع المصدر هذا الفشل إلى دقة الإجراءات الأمنية التي نفذتها منظومتا الحماية في حماس والأجهزة القطرية دون أي دعم خارجي.

كما بيّنت نتائج التحقيق أن الاحتلال عجز عن تحقيق أي اختراق بشري أو تقني داخل دوائر الأمن المحيطة بالوفد المفاوض.

ورجّحت التقديرات أن الاعتماد “الإسرائيلي” انحصر في صور المراقبة العامة لرصد تحركات المركبات، دون الوصول إلى الموقع الدقيق للاجتماع.

دور همام الحية الحاسم

طيلة شهور الحرب، رافق همام والده خليل الحية كمسؤول عن أمنه ومساعده الخاص.

وفي يوم العملية، كان لقراره تغيير موقع الاجتماع في اللحظة الأخيرة أثر حاسم في إفشال المخطط الإسرائيلي وإنقاذ القيادة.

وأكد مصدر من الحركة لـTRT أن همام أصرّ على نقل الاجتماع من مكتب والده إلى مبنى آخر أكثر تحصيناً وغير متوقع، وهو القرار الذي أنقذ حياة الوفد بأكمله.

وبذلك تحوّل الشاب الذي قاد الحماية إلى شاهد على دقة التدبير الأمني في مواجهة واحدة من أعقد عمليات الاغتيال “الإسرائيلية”.