لماذا يعود اسم “سوسطارة” إلى الواجهة كلما لعب فريق اتحاد الجزائر مبارياته؟ وهل يتعلق الأمر بفريق كرة قدم فقط، أم بذاكرة مدينة كاملة ورمز يرافق جمهور “لياسما” في كل مواجهة؟
في يوم مباراة اتحاد الجزائر والزمالك المصري، يعود اسم “سوسطارة” ليتردد بقوة، باعتباره حي قديم في الجزائر العاصمة، وذاكرة جماعية تتحرك داخل المدرجات وخارجها، وتحمل معها حكايات المدينة وأزقتها وتاريخها الذي يأبى النسيان.
حي في ذاكرة “سوسطارة”
يتقاطع اسم “سوسطارة” بين الذاكرة الشعبية والانتماء الرياضي، إذ يعود حضوره بقوة كلما عادة اتحاد الجزائر أو “لياسما” إلى واجهة المواعيد الكروية الكبرى، مثل نهائي كأس الكونفدرالية الإفريقية.
في هذه المواجهة الرياضية، كأن الكرة المستديرة تستدعي معها ما خفي من تاريخ المكان الذي خرجت منه الحكاية قبل أن يخرج منه فريق اتحاد الجزائر عام 1937.
يتردد اسم “سوسطارة” في الحياة اليومية بالجزائر العاصمة، مثله في كرة القدم وفي الانتماء العاطفي لحي صار اليوم الرمز البارز في يوم مباراة اتحاد الجزائر “لياسما” ونادي الزمالك المصري، كانت “سوسطارة” تبدو وكأنها تستعيد صوتها القديم وبهجتها التي تعود مع أي مقابلة كروية، لأن “اتحاد الجزائر” الفريق العاصمي الذي يحمل اللونين الأحمر والأسود، ويختصر في نظر أنصاره صورة مدينة كاملة تنبض بالتاريخ.
بالقرب من مقر النادي تمتد “سوسطارة” كجزء من هذا الإرث الشعبي، “الحومة” التي ظل اسمها حاضرا بقوة في الذاكرة الشعبية أكثر مما حضر في الكتب والوثائق، لكنها ظلت تغذي هذا الفريق العريق، وتعيد ذكرياته بحكايات الانتصارات والألقاب، وتسترجع معه الروايات القديمة المرتبطة بالعاصمة وأزقتها العتيقة.
“لياسما”.. من أزقة العاصمة إلى المدرجات
حين يذكر جمهور اتحاد الجزائر، تحضر صورة الأحياء الشعبية والأزقة الضيقة بحي “باب الوادي”، حيث ولدت ثقافة الكرة اليومية. وهناك بين “الزنيقات” العتيقة تحولت كرة القدم إلى لغة حياة، تحملها الجماهير جيلا بعد جيل.
ارتبط هذا الاسم بحي قديم بأعالي الجزائر العاصمة، وتحول مع مرور الزمن إلى رمز من بين رموز المدينة، تدور وراءه خلفية إنسانية لفريق يدخل كل مباراة وهو محمل بتاريخ سكان المنطقة قبل تاريخ الألقاب التي حصدتها خزانة “لياسما”.
قصة الاسم.. تحولات تاريخية
كثيرون في الجزائر يعرفون اسم “سوسطارة”، الواقعة في الجنوب الغربي من مدينة الجزائر التاريخية، أي القصبة العتيقة، إلا أن البعض منهم لا يعرف أصل هذه التسمية “الغامضة”.
يقول الباحث في الأدب مراد سعداوي من جامعة الجزائر “هناك أسماء تعيش في الذاكرة الشعبية أكثر مما تعيش في الجغرافيا”، إذ تتداولها الألسن يوميا بينما يبقى معناها الأصلي غامضا لدى أغلب الناس.
ويضيف سعداوي أن أسماء الأماكن غالبا ما ترتبط بالطبيعة أو بوجود الماء أو بالأرض أو بحادثة ما، لكنها تتغير مع الزمن بفعل تحولات اللهجات وتغيرات الاستعمال الشعبي بين جيل وآخر.
هذا الغموض دفع الباحثين إلى محاولة استعادة القصة الأصلية للاسم والتفتيش عنها في بعض الوثائق، ومن بينهم الكاتب والمختص في تاريخ الجزائر العاصمة فوزي سعد لله الذي يرى أنّ “الجميع يعرف الدال، لكن المدلول مفقود”.
ويقول سعد الله عن “سوسطارة”: “قلة قليلة جدا تعرف أصل التسمية التي بدت غريبة منذ أجيال، واستعصى على الناس فك لغزها”.
وأوضح سعد الله في كتاباته أن هذا الشرخ برز جليا منذ انقطعت حلقات عديدة من سلسلة التواصل المعرفي بين الأجيال، خاصة بعد الاحتلال الفرنسي للجزائر سنة 1830، وما ترتب عنه من تحولات عميقة مست البنية العمرانية واللغوية والثقافية للمدينة.
أصل الحكاية.. السور والستارة
قبل أكثر من قرن ونصف، لم تكن “سوسطارة” تحمل هذا الاسم المعروف اليوم.
فبحسب الروايات التاريخية، كانت المنطقة عبارة عن موقع دفاعي استراتيجي يقع جنوب غرب مدينة الجزائر (القصبة)، يتكون من خندق عميق وأسوار تحمي “الجزائر المحروسة”.
يذكر فوزي سعد الله أن المنطقة كانت شديدة الانحدار، تنتشر فيها الأشجار والسواقي والأشواك، وكان سكان المدينة يطلقون عليها ببساطة اسم “السور والستارة”.
كما كان “السور” يمثل الجدار الدفاعي الخارجي للمدينة، بينما تشير ” الستارة” إلى الجدار الداخلي الموازي له، أو الحاجز المرتفع الذي يحتمي خلفه الحراس أثناء المراقبة والدفاع.
أما في العمارة الدفاعية الإسلامية القديمة، كانت “الستارة” عنصرا أساسيا في بناء الأسوار والتحصينات، إذ تبنى بارتفاع يسمح للجندي بالرؤية وإطلاق السهام أو الأسلحة من خلال فتحات صغيرة.
وبذلك تحولت كلمة “الستارة” في النطق الدارج إلى “السطارة”، كما يحدث أن يتم تداولها في لهجات عاصمية تميل أحيانا إلى تحويل التاء إلى الطاء.
ومع الاستعمال اليومي السريع والمختزل أيضا، اندمجت كلمتا “السور” و”السطارة” في لفظ واحد أكثر سهولة، لتظهر تدريجيا كلمة “سوسطارة” التي استقرت لاحقا في الذاكرة الجماعية كاسم نهائي مستقل عن معناه الأصلي.
وهكذا بقي الاسم متداولا، بينما اختفت القصة التاريخية التي صنعت جذوره الأولى.
وبالتالي بدا جليا أن الاسم مختلف عن معناه الأول، بل أصبح علامة لغوية مستقلة ومنفصلة عن سياقها التاريخي، حيث احتفظ الناس بالكلمة، لكنهم فقدوا القصة التي أوجدته.
الاستعمار ومحو ذاكرة العمران
جغرافيا، كانت المنطقة التي تقع قرب “باب جديد”، جنوب غرب القصبة، عبارة عن امتداد للتحصينات الدفاعية القديمة التي كانت جزء من منظومة حماية مدينة الجزائر.
ولكن فرض الاستعمار الفرنسي العديد من التغييرات على العمران خلال القرن الـ 19، إذ هدّم أجزاء واسعة من الأسوار القديمة، كما ردمت الخنادق، وأعيد تشكيل المجال العمراني وفق النموذج الأوروبي.
ومع اختفاء “السور” و”الستارة” اختفت أيضا الذاكرة المادية التي كانت تحفظ معنى الاسم وتاريخه. ثم شيدت في المنطقة عمارات على الطراز الأوروبي، واستقر فيها المستعمرون حتى تاريخ استقلال الجزائر سنة 1962.
وبعد الاستقلال؛ عاد السكان الأصليون إلى المكان واستعادوا جزءا من ذلك الفضاء، لكن الاسم بقي كما هو: “سوسطارة”، بينما اندثرت معه كثير من تفاصيل الحكاية القديمة.
كرة القدم.. رمزية المدينة
تكشف حكاية “سوسطارة” علاقة ثلاثية بين اللغة والتاريخ والذاكرة، فالأسماء تبقى قائمة رغم اختفاء القصص التي منحتها معناها الأول.
لذلك كلما خاض فريق “اتحاد الجزائر” مباراة جديدة يعود اسم “سوسطارة” إلى الواجهة، وكأنّ كرة القدم تتجاوز البساط الأخضر وأهازيج الجمهور في المدرجات، فتستدعي معها مدينة كاملة بتاريخها وذاكرتها المنسية، بالرغم من المسافة الممتدة بين التاريخ والجغرافيا.








لا يوجد تعليقات بعد! كن أول المعلّقين