سجلت أسعار تذاكر الطيران نحو الجزائر ارتفاعات جنونية خلال عام 2026، في تطور أعاد إلى الواجهة معاناة مئات الآلاف من أفراد الجالية الجزائرية المقيمة بالخارج، الذين يجدون أنفسهم مجبرين على تخصيص ميزانيات متزايدة من أجل زيارة الوطن خلال العطل والمناسبات والمواسم الصيفية.

وكانت قد كشفت بيانات حديثة صادرة عن مؤشر “دي جي تريبس” المتخصص في تتبع حركة السفر والأسعار أن تكلفة التذاكر المباعة من فرنسا نحو الجزائر ارتفعت خلال شهر أفريل الماضي بنسبة 18 بالمائة مقارنة بالفترة نفسها من العام الماضي، وهي النسبة الأعلى بين أبرز الوجهات الدولية التي يقصدها المسافرون انطلاقا من المطارات الفرنسية.

الجالية تحت ضغط الأسعار

في هذا الصدد أكد رئيس المنظمة الجزائرية للسياحة، ماهر حمور، في تصريح لمنصة أوراس، أن الجالية الجزائرية تعاني منذ سنوات من ارتفاع أسعار النقل الجوي والبحري، غير أن الوضع أصبح أكثر صعوبة خلال الفترة الأخيرة بسبب تداخل عدة عوامل دولية ومحلية.

وأوضح أن عائلات جزائرية كثيرة أصبحت مطالبة بدفع مبالغ ضخمة للسفر إلى الجزائر، سواء عبر الطائرة أو السفينة، حيث قد تتجاوز تكلفة التنقل لعائلة متوسطة مكونة من خمسة أفراد 70 مليون سنتيم.

وأضاف حمور أن الأزمة لا ترتبط فقط بارتفاع أسعار الوقود، بل تشمل أيضا محدودية الرحلات المتاحة خلال فترات الذروة، ما يؤدي إلى زيادة الطلب مقابل عرض محدود، وهو ما ينعكس مباشرة على الأسعار.

كما أشار المتحدث ذاته، إلى أنه رغم المبادرات التي تم إطلاقها في بعض المناسبات، ومنها التخفيضات الاستثنائية التي أقرتها السلطات الجزائرية خلال شهر رمضان وعيد الفطر لفائدة أفراد الجالية، إلا أن المطالب لا تزال قائمة من أجل إيجاد حلول دائمة بدل الاعتماد على إجراءات ظرفية وموسمية.

وأبرز ماهر حمور أن المنافسة بين شركات الطيران لم تنجح حتى الآن في خفض الأسعار بالشكل المنتظر، إذ يرى الكثير من المسافرين أن الرحلات نحو الجزائر ما تزال أغلى من رحلات أطول مسافة نحو وجهات أوروبية وآسيوية وأمريكية.

وقود مرتفع وأسعار ملتهبة

يرى مختصون أن جزءا كبيرا من هذه الزيادات مرتبط بالتقلبات التي يشهدها قطاع الطيران العالمي منذ بداية السنة الجارية، خاصة بعد الارتفاع القياسي الذي سجلته أسعار وقود الطائرات نتيجة التوترات الجيوسياسية في منطقة الشرق الأوسط.

وخلال الأسابيع الأخيرة تجاوز سعر وقود الطائرات 1700 دولار للطن في بعض الأسواق العالمية، فيما تراوح سعر البرميل بين 150 و200 دولار، وهو ما يمثل زيادة تفوق 120 بالمائة مقارنة بالمستويات السابقة.

وأدى هذا الوضع إلى ارتفاع غير مسبوق في تكاليف التشغيل بالنسبة لشركات الطيران، حيث بات الوقود يمثل ما بين ربع وثلث النفقات الإجمالية للرحلات الجوية، ما دفع العديد من الشركات إلى تحميل جزء من هذه الأعباء للمسافرين عبر رفع أسعار التذاكر.

كما اضطرت شركات عالمية كبرى، على غرار “لوفتهانزا” والخطوط الجوية التركية وشركات أخرى، حسب تصريح رئيس المنظمة الجزائرية للسياحة، إلى مراجعة برامجها التشغيلية وتقليص عدد الرحلات نحو بعض الوجهات، بهدف الحد من الخسائر والمحافظة على التوازن المالي في ظل ارتفاع النفقات.

وتسببت هذه التطورات في تقلص العرض العالمي للمقاعد الجوية، وهو عامل ساهم بدوره في دفع الأسعار نحو مستويات أعلى، خاصة على الخطوط التي تعرف طلبا كبيرا خلال المواسم السياحية.

مطالب بتدخل عاجل

وفي ظل تصاعد الغضب وسط أبناء الجالية، دخل الملف مجددا إلى أروقة البرلمان، بعدما وجه النائب عبد الوهاب يعقوبي مراسلة إلى رئيس الجمهورية عبد المجيد تبون دعا فيها إلى التدخل من أجل معالجة الاختلالات التي يعرفها سوق النقل الجوي.

واعتبر النائب أن أسعار بعض الرحلات القصيرة بين فرنسا والجزائر أصبحت غير منطقية مقارنة برحلات طويلة المدى نحو قارات أخرى، متسائلا عن أسباب استمرار هذه الوضعية رغم المطالب المتكررة بإصلاح السوق.

كما أشار إلى أن الجالية الجزائرية تجد نفسها كل صيف أمام المعاناة نفسها، سواء بسبب غلاء الأسعار أو بسبب محدودية عدد الرحلات، ما يدفع بعض العائلات إلى تقليص مدة العطلة أو إلغائها بالكامل بسبب التكاليف المرتفعة.

وطالب بفتح المجال أمام منافسة أوسع بين شركات النقل الجوي، وإطلاق عروض عائلية حقيقية تتناسب مع القدرة الشرائية للمغتربين، إضافة إلى اعتماد أسعار تفضيلية للأطفال خلال العطل المدرسية، ودراسة إمكانية وضع آليات رقابية أكثر فعالية للحد من المضاربة الموسمية.

وفي الوقت الذي تواجه فيه شركات الطيران العالمية ضغوطا متزايدة بسبب ارتفاع تكاليف الوقود، تبدو الجزائر في وضع أكثر استقرارا من ناحية التموين، بفضل إنتاجها المحلي من “الكيروسين” عبر مصافي التكرير التابعة لمجمع سوناطراك.

كما تواصل السلطات الاستثمار في مشاريع إنتاج وقود الطيران المستدام والوقود الأخضر، في خطوة تهدف إلى تعزيز الأمن الطاقوي وتقليص التبعية للتقلبات الخارجية مستقبلا.