لم تعد محاولات العبور الجماعي من المغرب نحو سبتة مجرد مشهد عابر في أزمة الهجرة غير النظامية، بل تحولت إلى صورة مكثفة لأزمة أعمق تتقاطع فيها الأوضاع الاجتماعية المتردية مع الحسابات السياسية، فخلف آلاف المغاربة الذين اندفعوا نحو الحدود البحرية، تبرز صورة مجتمع تتسع داخله مشاعر التذمر والإحباط، وتبدو فيه الهجرة لدى فئات من الشباب والعائلات كنافذة أخيرة للخلاص من واقع اقتصادي واجتماعي ضاغط.
لكن المشهد لا يتوقف عند حدوده الاجتماعية، إذ يكشف وجهاً سياسياً أكثر قتامة، حيث يبدو ملف الهجرة ورقة ضغط تستخدمها الرباط في علاقتها مع إسبانيا، فيما يدفع المواطنون الثمن من أرواحهم.
وبينما تتحول الحدود إلى ساحة للمساومة والضغط، يتحول البحر إلى مقبرة مفتوحة لأبناء المغرب، بعدما أودت محاولات العبور بحياة أكثر من 50 مغربياً، في مأساة تكشف الوجه الأكثر بشاعة لتحويل معاناة البشر إلى أداة في لعبة سياسية.
تقارير دولية تفضح المساومة
تحدثت تقارير أوروبية وأمريكية عن تورط السلطات المغربية، في تسهيل عملية عبور المهاجرين غير النظاميين نحو إسبانيا عبر سبتة، حيث أكدت صحيفة “الغارديان” البريطانية، أن عملية العبور الأخيرة مرتبطة بالزيارة الأخيرة التي قادت بيدرو سانشيز إلى الجزائر.
وهنا ذكّرت الصحيفة، بحادثة مماثلة في ماي 2021، حين سمحت الرباط بعبور جماعي للسياج الحدودي عقب خلاف دبلوماسي مع مدريد على خلفية السماح للرئيس الصحراوي إبراهيم غالي بالعلاج في إسبانيا.
وقال الباحث في شؤون الهجرة بالمعهد الإيطالي للدراسات السياسية الدولية، ماتيو فيلا، إن ما حدث في عام 2021 كان نسخة مصغرة لما حدث بالأمس، مشددا على أن 60 ألف شخص لا يصلون بين ليلة وضحاها، بينما يبلغ عددهم عادةً مئات الأشخاص شهرياً، مشيرا إلى أن سفر سانشيز إلى الجزائر يرق للمغرب.
ورجّح فيلا أن يكون المغرب قد خفف القيود الحدودية كوسيلة لإظهار تفوقه، خاصةً وأن السلطات هناك تدرك أن ذلك سيؤدي إلى رد فعل مبالغ فيه في أوروبا.
وأضاف: “في الرباط يستمتعون بمشاهدة كل هذه المشاحنات بين الدول الأوروبية”.
من جهتها نقلت صحيفة “الموندو” عن مصادر أمنية إسبانية، أن المغرب كان على دراية بعملية الهجرة الجماعية التي شهدتها سبتة، وكما جرى في مناسبات سابقة، سمح بمرور الدفعات الأولى، وذلك، لإظهار الرباط تفوقها في مواجهة إسبانيا.
وأكدت المصادر ذاته، أن المغرب استخدم هؤلاء الشباب لتذكير الجميع بأنها هي من تتحكم في الهجرة وتنظمها، لكن الأمور خرجت عن سيطرته.
ووصف زعيم المعارضة في إسبانيا ألبرتو نونيز فيخو، الحادثة بالاحتلال المتعمد وغير المسبوق للأراضي الإسبانية.
المساومة لم تعد خفية
لم تعد الهجرة غير النظامية في غرب المتوسط مجرد ملف أمني أو إنساني تتقاطع حوله مصالح المغرب وإسبانيا والاتحاد الأوروبي، بل تحولت، على مدى سنوات، إلى واحدة من أكثر أوراق الضغط حساسية في العلاقات بين الرباط ومدريد وبروكسل. وفي كل مرة تتفجر فيها أزمة دبلوماسية، تعود الحدود إلى الواجهة، ويصبح تدفق المهاجرين مؤشراً على طبيعة العلاقة السياسية بين ضفتي المتوسط.
ولعل أزمة سبتة في ماي 2021 كانت المثال الأكثر وضوحاً على هذا التداخل بين الهجرة والسياسة، ففي ظرف أيام قليلة، عبر نحو 9 آلاف شخص إلى المدينة الإسبانية بعد أن خففت السلطات المغربية مؤقتاً مراقبة الحدود وفتحت بوابات السياج الحدودي، وفق ما وثقه البرلمان الأوروبي.
وكان من بين العابرين ما لا يقل عن 1200 قاصر غير مصحوبين، فضلاً عن عائلات بأكملها.
ولم يتعامل الاتحاد الأوروبي مع الواقعة باعتبارها مجرد موجة هجرة مفاجئة، بل ربطها صراحة بالتوتر السياسي والدبلوماسي الذي كان قائماً آنذاك بين المغرب وإسبانيا، ففي قرار اعتمده البرلمان الأوروبي في 10 جوان 2021، رفض النواب بشكل صريح استخدام المغرب لمراقبة الحدود والهجرة، ولا سيما القاصرين غير المصحوبين، كوسيلة للضغط السياسي على دولة عضو في الاتحاد الأوروبي.
واللافت في قرار البرلمان الأوروبي، الصادر تحت رقم 2021/2747(RSP)، أنه لم يكتفِ بإدانة المخاطر التي تعرض لها المهاجرون، وإنما وضع مسألة توظيف الهجرة في سياق سياسي ودبلوماسي واضح.
وأشار القرار إلى أن الأزمة اندلعت في ظل توتر غير مسبوق بين المغرب من جهة، وإسبانيا والاتحاد الأوروبي من جهة أخرى، وربط اندلاعها بالأزمة الدبلوماسية التي أعقبت استقبال إسبانيا للرئيس الصحراوي إبراهيم غالي للعلاج لأسباب إنسانية.
كما أشار إلى أن السلطات المغربية كانت قد خففت مراقبة الحدود وفتحت بوابات السياج، في وقت وصف فيه البرلمان الأوروبي حركة العبور الكبيرة بأنها يصعب اعتبارها عفوية.
والأكثر وضوحاً أن البرلمان الأوروبي دعا إلى معالجة الخلافات بين الشركاء عبر الحوار الدبلوماسي، وشدد على أن الحدود الخارجية للاتحاد الأوروبي لا ينبغي أن تتحول إلى أداة في النزاعات السياسية الثنائية.
كما أكد أن حماية سبتة باعتبارها حدوداً خارجية للاتحاد الأوروبي شأن يهم أوروبا بأكملها، وأن انتهاك السيادة الإقليمية للدول الأعضاء لا يمكن التسامح معه.
وبذلك، فإن الحديث عن توظيف الهجرة للضغط السياسي ليس مجرد توصيف إعلامي عابر، بل ورد بوضوح في وثيقة رسمية صادرة عن إحدى مؤسسات الاتحاد الأوروبي.
من جهتها، تحدثت منظمات حقوق الإنسان عن الأكثر مأساوية في هذه المعادلة والذي يتعلق بتحويل البشر بمن فيهم الأطفال، إلى أدوات في صراع سياسي.
ففي خضم أزمة سبتة 2021، قالت منظمة العفو الدولية إن طالبي اللجوء والمهاجرين يُستخدمون كقطع شطرنج في لعبة سياسية بين المغرب وإسبانيا، بعدما دخل أكثر من 8 آلاف شخص إلى سبتة، بينهم نحو ألفي طفل غير مصحوبين بذويهم بحسب المنظمة.
كما أشارت إلى تسجيل مشاهد تظهر حرساً مغاربة يسمحون للمهاجرين وطالبي اللجوء بالمرور عبر نقاط المراقبة باتجاه سبتة.
وذهبت المنظمة إلى أبعد من ذلك حين ربطت، استناداً إلى تصريحات لمسؤول مغربي ومنشور على مواقع التواصل، تخفيف الرقابة الحدودية بالتوتر الذي نشب بسبب استقبال إسبانيا إبراهيم غالي للعلاج، معتبرة أن السلطات المغربية استخدمت المهاجرين وطالبي اللجوء كبيادق في هذا النزاع.
وتستخدم الرباط سياسة فتح الصنبور وإغلاقه من خلال تشديد المراقبة عندما تتوافق المصالح، وتخفيفها عندما ترتفع كلفة الخلاف السياسي.



لا يوجد تعليقات بعد! كن أول المعلّقين