على طول الشوارع والطرقات والفضاءات العامة، اختفت فجأة تلك المحلات التي كانت تعرف بــ”الطاكسيفون”، ولم يبق منها سوى بعض اللافتات القديمة على الجدران، تذكّر المارة بوجود فضاءات كانت مخصصة للهاتف الثابت قبل أن تغلق أبوابها.
في السابق جذبت هذه المحلات الكثير من الزبائن، حيث تضم عدة مخادع أو غرفا منفردة مجهزة بهاتف أرضي، تضمن خصوصية المستخدمين أثناء إجراء مكالماتهم، بالإضافة إلى خدمة الناسوخ أو “الفاكس” لمن يحتاج خدمة أرسال وثيقة.
هاتف نقال .. خدمة بخدمة
انحسرت خدمات “الطاكسيفون” تدريجيا من المشهد العام قبل نحو عقدين من الزمن، في ظل التحول الكبير الذي عرفته خدمات الاتصال في الجزائر مع دخول الهاتف النقال وانتشاره الواسع منذ السنوات الأولى للألفية الثانية، وتوسع استعماله بفضل مختلف شبكات الاتصالات الخلوية.
وبالرغم من الاختفاء السريع لهذه الفضاءات، أصبح الأمر طبيعيا أمام التطور التكنولوجي وتنوع خدمات الاتصال ومنصات التواصل الاجتماعي، إلا أن “الطاكسيفون” ظل لسنوات طويلة وسيلة اتصال أساسية لا غنى عنها.
فقد لعب دورا مهما في تسهيل تواصل المواطنين، قبل أن يحل “الموبايل” تدريجيا مكانه، ليصبح اليوم جزءا لا يتجزأ من الحياة اليومية.
ومع ذلك وباعتباره وسيلة اتصال عمومية؛ لا تزال قيمة “الطاكسيفون” حاضرة من الناحية الاجتماعية والاقتصادية لدى كثيرين، باعتبار أن الحاجة إليه قد تبرز في بعض الحالات والظروف.. فكيف ذلك؟
الحاجة عند الطوارئ
تقول “سكينة جنادي” وهي ممرضة بأحد مستشفيات الجزائر العاصمة، إن تراجع حضور “الطاكسفون” وانعدام وجوده تقريبا في الحياة اليومية لا يعني بالضرورة انتهاء الحاجة إليه، وتؤكد أن هذه الوسيلة يمكن أن تكون احتياطية إذ ما تزال تحمل قيمة اجتماعية وإنسانية لا يمكن تجاهلها.
وأوضحت قائلة إن وجود هاتف عمومي في الفضاءات العامة على الأقل في الأمكنة المهمة كمحطات المسافرين وأمام المدارس قد يشكل حلا ضروريا في العديد من الحالات، كتمكين طفل ضائع من الاتصال بأسرته، أو مساعدة شخص مسن يجد صعوبة في استخدام التقنيات الحديثة، أو توفير وسيلة تواصل للأشخاص الذين لا يملكون هاتفا جوالا من أصله.
في مقابل ذلك؛ يحتفظ الهاتف العمومي بدور احتياطي مهم في الظروف الاستثنائية، سواء عند فقدان الهاتف، أو نفاذ البطارية، أو حدوث أعطال في شبكات الاتصال بفعل حوادث أو تغيرات مناخية، إذ يضمن وسيلة اتصال متاحة للجميع، خاصة في الأماكن الحيوية كالمحطات والمرافق العمومية والمناطق البعيدة.
تطوير الهاتف العمومي .. خدمات رقمية
يقول البعض إنّ دور محلات الهاتف العمومي ضروري من الجانب الاقتصادي، إذ كشف الباحث في سلك الدكتوراه تخصص الاقتصاد من جامعة قسنطينة، وليد بوخنتاش أنه من المهم التفكير في كيفية استغلاله اقتصاديا وإعادة التفكير في هذه الخدمة العمومية.
وأردف قائلا: “ليس بالضرورة العودة إلى هذه الخدمة بشكلها التقليدي أو بشكل أكشاك الهاتف العمومي الذي عرفه الكثيرون قبل أعوام، ولكن بالإمكان تطويرها لتصبح نقاط اتصال رقمية حديثة تجمع بين الاتصال والتواصل والإنترنت وتلبية طلبات المواطنين وتوفير الخدمات الإلكترونية”.
وأضاف في السياق أن “أهميتها تنسجم مع استجابتها كخدمة للتحولات الجديدة في المجتمع”.
وإضافة إلى ما سبق؛ فإن هناك جوانب أخرى تستدعي وجود المحطات الهاتفية كوسيلة اتصال، وتبقى عنصرا مهما في الحالات الاستثنائية، إذ يمكن أن يكون وسيلة لطلب النجدة أو الإسعاف.
ومن التجارب المُعاشة لدى الكثيرين فإن أهميته تظهر كثيرا في الأماكن العامة ومحطات النقل وفي المناطق النائية التي قد تحتاج إلى وسائل اتصال احتياطية، في مقابل البحث الحثيث عن توفر شبكة الاتصالات، كما هو الحال في بعض المناطق النائية وفي الطريق السريع على سبيل المثال لا الحصر.
أكشاك الهاتف العمومي.. الزمن الجميل
الحنين إلى مرحلة “الزمن الجميل”، تعطي قيمة عميقة لهذه المحلات القديمة للاتصال وهي غير مرتبطة بالماضي القريب أو بحوادث معينة، بل نظرا إلى قدرته على أداء وظيفة مكملة لوسائل الاتصال الحديثة، خاصة في الظروف التي يصبح فيها وجود وسيلة اتصال عمومية ضرورة وليس خيارا.
كثيرون يتذكرون هذه الفضاءات بخصوصيتها، بل هناك عدة أغاني مشهورة خلدت ذكراه، وتناولته كفضاء مهم من بين تفاصيل الحياة اليومية للجزائريين، إذ كان التواصل بين الناس يأخذ شكلا واحدا بالمقارنة بما نعرفه اليوم.
بالعودة إلى أكثر من عقدين أو ثلاثة عقود من الزمن، كان اللقاء المباشر والزيارات العائلية والرسائل الورقية والمراسلات عبر البريد، إضافة إلى الهاتف الثابت والهواتف العمومية، تشكل الوسائل الأساسية للحفاظ على العلاقات والتواصل بين الأفراد.
لقد كان الوصول إلى الهاتف في كثير من الأحيان والظروف مرهونا بالجغرافيا العمرانية، أي بوجود المنازل والأحياء السكنية أو الإدارات أو الأماكن العامة، مما جعل “الطاكسيفون” يحتل مكانة خاصة باعتباره نافذة مفتوحة على العالم الخارجي.
يقول جمال بوعزة ذو الـ 63 عاما وهو أستاذ متقاعد إن التوجه إلى “الطاكسيفون” في ذلك الزمن يتجاوز إجراء مكالمة هاتفية عابرة، بل أحيانا يكون مرتبطا بخبر مهم أو الاطمئنان على قريب بعيد أو تسيير أمور عائلية وقضايا مهنية.
ووفقا لتصريحه، فقد مثلت هذه المحلات فضاءات اجتماعية معروفة في الأحياء والشوارع التي يقصدها المواطن لتأدية خدمة اتصالية، كما ساهمت في تقريب المسافات بين الناس في فترة لم تكن فيها سرعة التواصل وسهولته متاحة كما هي اليوم.
ومع ظهور “الموبايل” أو الهاتف الخلوي وتطوره، تغيرت عادات الاتصال بشكل جذري، وانتقل التواصل من فضاءات عمومية مشتركة بين المواطنين، إلى أجهزة تتميز بالخصوصية التي ترافق المستخدم أينما كان ويفتح عبر “كود خاص” قد تكون شيفرة أو بصمة.



لا يوجد تعليقات بعد! كن أول المعلّقين