أثار استقبال رئيس المرحلة الانتقالية في بوركينا فاسو، النقيب إبراهيم تراوري، لسفير الكيان الإسرائيلي الجديد في واغادوغو، اهتماماً سياسياً وإعلامياً واسعاً، ليس فقط بسبب دلالاته الدّبلوماسية المباشرة، بل أيضاً لما يحمله من رسائل استراتيجية في منطقة السّاحل الإفريقي التي تعيش منذ سنوات على وقع تحوّلات جيوسياسية عميقة.

وإذا كانت الخطوة تُقرأ في بوركينا فاسو باعتبارها جزءاً من سياسة تنويع الشّركاء والانفتاح على مختلف القوى الدّولية واللجوء إلى كيانات التأثير بسبب ما تملكه من نفوذ ودعم من قوى كبرى كالولايات المتحدّة الأمريكية مثلا، فإنّ الجزائر تنظر إليها من زاوية مختلفة تماماً، تتّصل بمحدّدات الأمن القومي والتّوازنات الإقليمية ومستقبل نفوذها في فضاء السّاحل.

لطالما اعتبرت الجزائر منطقة السّاحل الإفريقي امتداداً طبيعياً لأمنها القومي وعمقاً استراتيجياً لا يمكن الفصل بين استقراره واستقرار الدّولة الجزائرية نفسها، فالحدود الجنوبية الشّاسعة الممتدّة مع مالي والنّيجر، والتحدّيات الأمنية المرتبطة بالإرهاب والجريمة المنظّمة والهجرة غير الشّرعية وتهريب السّلاح، جعلت الجزائر تنخرط لعقود في مقاربة تقوم على منع أيّ فراغ أمني في هذه المنطقة ومنع تحوّلها إلى ساحة تنافس دولي يهدّد مصالحها الحيوية.

من هذا المنطلق، لا يبدو التواجد الدّبلوماسي الصهيوني في بوركينا فاسو بالنّسبة للجزائر مجرّد خطوة بروتوكولية أو تطوّراً عادياً في العلاقات الثّنائية بين دولتين ذاتي سيادة، بل يُقرأ باعتباره مؤشّراً على إمكانية تمدّد النّفوذ الكيان الإسرائيلي إلى واحدة من أكثر المناطق حساسية بالنّسبة للأمن الجزائري، وتزداد هذه الحساسية بالنّظر إلى أنّ الكيان الإسرائيلي لا ينظر إليه في العقيدة الدّبلوماسية والأمنية الجزائرية كفاعل خارجي محايد، وإنّما كقوّة تسعى إلى بناء شبكات نفوذ أمنية واستخباراتية في مناطق متعدّدة من القارّة الإفريقية.

الجزائر، التي عبّرت في مناسبات عديدة عن رفضها لما تعتبره (اختراقاً إسرائيلياً) لمحيطها الإقليمي، ترى أنّ أيّ تموقع صهيوني في السّاحل قد يفتح الباب أمام ترتيبات أمنيّة واستخباراتية جديدة، سواء من خلال التعاون في مجال مكافحة الإرهاب أو عبر تزويد بعض الدّول بالتكنولوجيا الأمنية وأنظمة المراقبة والطّائرات المسيرة، ومن وجهة النّظر الجزائرية، فإنّ هذه التطوّرات قد تؤدّي إلى تغيير تدريجي في موازين النفوذ داخل المنطقة وإضعاف الدّور التقليدي الذي لعبته الجزائر باعتبارها شريكاً أمنياً أساسياً لدول السّاحل.

كما تنظر الجزائر بعين القلق إلى احتمال تحوّل السّاحل الإفريقي إلى مسرح لتنافس جيو-سياسي مفتوح بين قوى متعدّدة؛ فبعد الحضور الفرنسي التّقليدي، والصّعود الرّوسي المتسارع، والتوسّع التركي والإيراني والصّيني، يأتي الانفتاح على الكيان الإسرائيلي ليضيف فاعلاً جديداً إلى معادلة إقليمية شديدة التّعقيد.

وفي حسابات الجزائر، فإنّ تعدّد الفاعلين الخارجيّين لا يفضي بالضّرورة إلى تحقيق الاستقرار، بل قد يؤدّي إلى زيادة الاستقطاب وإضعاف قدرة دول المنطقة على بناء مقاربات أمنيّة مستقلّة.

أمّا فيما يتعلق بالعلاقات الجزائرية – البوركينابية، فمن المستبعد أن يقود هذا التطوّر إلى أزمة دبلوماسية مباشرة أو قطيعة سياسية، لأنّ الطرفين يدركان أهمّية الحفاظ على الحدّ الأدنى من التعاون في القضايا الأمنية والإقليمية؛ فالجزائر تحتاج إلى استمرار التّنسيق مع دول السّاحل لمواجهة التهديدات العابرة للحدود، كما أنّ بوركينا فاسو لا تستطيع تجاهل الدّور الجزائري في ملفّات الوساطة والأمن الإقليمي.

غير أنّ ذلك لا ينفي احتمال حدوث فتور سياسي أو تراجع في مستوى الثّقة المتبادلة؛ فالجزائر قد تعيد تقييم طبيعة تعاونها مع بعض دول السّاحل إذا ما تبيّن أن الانفتاح على الكيان الإسرائيلي تجاوز الإطار الدّبلوماسي نحو ترتيبات أمنيّة وعسكرية أعمق.

وفي المقابل، قد ترى بوركينا فاسو أنّ من حقها تنويع شراكاتها الدّولية بما يخدم أولوياتها الأمنية والاقتصادية الهشّة والمتهاوية، خصوصاً في ظل استمرار التهديدات الإرهابية وعجز الشّراكات التقليدية عن توفير حلول ناجعة.

الواقع أنّ الجزائر تجد نفسها اليوم أمام معادلة إقليمية جديدة؛ فالنّفوذ الذي كانت تمارسه في السّاحل خلال العقود الماضية يواجه تحدّيات غير مسبوقة نتيجة التحوّلات السّياسية التي شهدتها المنطقة، وصعود الأنظمة العسكرية الجديدة، وتراجع النّفوذ الفرنسي، ودخول قوى دولية وإقليمية متعدّدة على خطّ التنافس.

وفي هذا السّياق، فإنّ التواجد الدبلوماسي الصهيوني في بوركينا فاسو يمثّل بالنّسبة للجزائر جزءاً من عملية إعادة تشكيل واسعة للتوازنات في السّاحل الإفريقي.

ولا يقتصر القلق الجزائري على البعد الأمني المباشر، بل يمتد أيضاً إلى البعد الاستراتيجي طويل المدى. فالجزائر تدرك أنّ بناء شبكات نفوذ جديدة في الساحل قد يؤثّر مستقبلاً على قدرتها على التأثير في الملفات الإقليمية وعلى مكانتها كفاعل رئيسي في هندسة الأمن الجماعي في المنطقة؛ كما تخشى أن يؤدّي تعدّد التحالفات الجديدة إلى تقويض المقاربة التي دافعت عنها طويلاً، والقائمة على معالجة أزمات السّاحل من خلال حلول إفريقية وإقليمية بعيداً عن التدخّلات الخارجية المتزايدة.

مع ذلك، يبقى من المبكّر الحديث عن تحوّل جذري في طبيعة العلاقات بين الجزائر وبوركينا فاسو أو عن وجود تهديد أمني مباشر ناتج عن الخطوة الأخيرة، فاستقبال سفير الكيان لا يعني بالضّرورة انتقال العلاقات إلى مستوى التّحالف الاستراتيجي أو التّعاون العسكري الواسع، غير أنّ التجارب السّابقة في القارّة الإفريقية تجعل الجزائر تتعامل مع هذه المؤشّرات بحذر شديد، وتعتبرها جزءاً من ديناميكيات إقليمية تستوجب المتابعة الدّقيقة وإعادة ترتيب أولوياتها الدّبلوماسية والأمنية في السّاحل.

في المحصّلة، تكشف الخطوة البوركينابية عن مرحلة جديدة من إعادة تشكيل المشهد الجيو-سياسي في السّاحل الإفريقي، حيث تسعى الأنظمة العسكرية الجديدة إلى تنويع شراكاتها وتوسيع هامش حركتها الدّولية تحت ضغوط اقتصادية حرجة وأخرى أمنية ترتبط باستقرار الحكم في ظلّ الانقلابات.

أمّا الجزائر، فإنّها تجد نفسها أمام تحدّي الحفاظ على مصالحها الاستراتيجية ونفوذها التّقليدي في منطقة تعدّ بالنّسبة إليها خط الدّفاع الأوّل عن أمنها القومي؛ وبين هذين المنظورين، تبدو العلاقات الجزائرية – البوركينابية مرشّحة لمرحلة من الحذر وإعادة الحسابات، في انتظار اتّضاح حدود الدّور الصهيوني الجديد في السّاحل الإفريقي ومآلاته على التّوازنات الإقليمية مستقبلاً.