عندما تبلغ الحروب يومها الألف، فإنّها تتجاوز كونها مواجهة عسكرية عابرة لتصبح حدثاً تاريخياً يعيد تشكيل الجغرافيا السّياسية ويغيّر موازين القوى ويترك آثاراً عميقة في الوعي الجمعي للشعوب، وبعد ألف يوم على الحرب في غزّة، لم يعد السّؤال الرّئيس هو: من انتصر ومن انهزم؟ بل أصبح: ماذا تغيّر في طبيعة الصّراع، وكيف يبدو الشّرق الأوسط بعد هذه الحرب الطويلة؟
لقد دخلت الحرب على غزّة التّاريخ باعتبارها واحدة من أطول وأعقد جولات الصّراع الفلسطيني الإسرائيلي، ورغم الدّمار الهائل والخسائر الإنسانية غير المسبوقة، فإنّ مشهد اليوم الألف يكشف عن حقائق استراتيجية لم تكن واضحة في الأيّام الأولى للحرب.
أولى هذه الحقائق أنّ فكرة الحسم العسكري الكامل أثبتت حدودها؛ فالكيان الإسرائيلي، رغم تفوقه العسكري والتكنولوجي والدّعم السياسي والعسكري الذي تلقاه، لم يتمكن من إنتاج واقع سياسي جديد يحسم الصّراع نهائياً أو يلغي الفاعل الفلسطيني من المعادلة، وفي المقابل، لم تستطع المقاومة الفلسطينية فرض شروطها السّياسية أو العسكرية بصورة كاملة، لكنّها نجحت في الحفاظ على حضورها كعامل مؤثّر في المعادلة، وهو ما جعل الحرب تتحوّل إلى حرب استنزاف طويلة ومفتوحة.
إنّ مجرّد استمرار المقاومة الفلسطينية كفاعل سياسي وعسكري بعد ألف يوم يحمل دلالة استراتيجية عميقة، ففي أدبيات الصّراعات غير المتكافئة، يُعدّ البقاء والاستمرار في ظروف اختلال موازين القوّة شكلاً من أشكال الإنجاز الاستراتيجي؛ إذ إنّ الهدف الأساسي للقوى غير النّظامية غالباً لا يكون تحقيق نصر عسكري تقليدي، بل منع الخصم من تحقيق أهدافه النّهائية وإطالة أمد الصّراع حتّى تتغير البيئة السياسية أو الدّولية.
ومن هذه الزّاوية، تبدو المقاومة الفلسطينية بعد ألف يوم مختلفة عمّا كانت عليه قبل الحرب، لقد خرجت من إطار الفاعل المحلّي المحصور في قطاع غزّة لتصبح رقماً لا يمكن تجاوزه في أي ترتيبات سياسية تخصّ القضية الفلسطينية ومستقبل القطاع، ولم يعد ممكناً تصوّر أي تسوية أو مشروع لإعادة إعمار غزّة أو إعادة ترتيب النّظام السّياسي الفلسطيني من دون أخذ وجود المقاومة وتأثيرها في الحسبان.
لكن هذه الحقيقة لا تلغي حقيقة أخرى لا تقلّ أهمية، وهي أنّ المقاومة تواجه تحدّيات استثنائية، فالكلفة الإنسانية للحرب كانت هائلة، والبنية التّحتية في غزّة تعرّضت لدمار واسع، والمجتمع الفلسطيني يعيش واحدة من أكثر مراحله صعوبة وتعقيداً، وهذا يعني أنّ مرحلة ما بعد الحرب لن تكون مجرّد استمرار للمرحلة السّابقة، بل ستفرض على المقاومة والقوى الفلسطينية عموماً أسئلة صعبة تتعلّق بإدارة المجتمع، وإعادة الإعمار، وبناء الوحدة الوطنية، وصياغة رؤية سياسية تستجيب للتحوّلات الجديدة.
أمّا على المستوى السّياسي، فقد أعادت الحرب القضية الفلسطينية إلى مركز الاهتمام الدّولي بعد سنوات من التراجع، لقد عادت فلسطين لتصبح موضوعاً رئيسياً في البرلمانات الغربية، وفي الجامعات، وفي وسائل الإعلام، وفي ساحات الاحتجاج العالمية، وتزايدت الدّعوات إلى الاعتراف بالدّولة الفلسطينية وإلى إعادة النّظر في مقاربات الصّراع التقليدية.
هذه العودة لا تعني بالضّرورة اقتراب حل سياسي، لكنّها تشير إلى تحوّل مهم في البيئة الدّولية، فصورة الصّراع لم تعد كما كانت، والخطاب العالمي بشأن القضيّة الفلسطينية يشهد تغيّرات ملموسة، خاصّة داخل قطاعات واسعة من الرّأي العام العالمي، وقد يكون هذا التحوّل أحد أهم النتائج السّياسية طويلة المدى للحرب.
إقليمياً، كشفت الحرب أنّ القضية الفلسطينية لا تزال قادرة على التّأثير في توازنات المنطقة، فكلّما طال أمد الحرب، اتّسعت دائرة تداعياتها الأمنية والسّياسية، وأصبح الاستقرار الإقليمي أكثر ارتباطاً بإيجاد مقاربة جديدة للصّراع، وقد أثبتت السّنوات الماضية أنّ تجاهل القضية الفلسطينية أو محاولة تجاوزها لم يؤدّيا إلى الاستقرار المنشود، بل إلى إنتاج دورات جديدة من التوتّر والمواجهة.
ومن هنا، فإنّ اليوم الألف للحرب لا يمثّل نهاية مرحلة بقدر ما يمثّل بداية مرحلة جديدة؛ مرحلة تتّسم بإعادة تعريف مفهوم القوّة في الصّراع الفلسطيني الإسرائيلي، وبصعود أبعاد جديدة للصّراع تتجاوز الميدان العسكري لتشمل الرّأي العام العالمي، والقانون الدّولي، والمعركة الإعلامية، والتحوّلات الجيوسياسية في المنطقة.
أمّا بالنّسبة للمقاومة الفلسطينية، فإنّ التحدّي الأكبر في المرحلة المقبلة لن يكون عسكرياً فقط، بل سياسياً واستراتيجياً بالدّرجة الأولى؛ فالقدرة على الصّمود خلال ألف يوم لا تكفي وحدها لبناء إنجاز تاريخي دائم؛ الإنجاز الحقيقي يتطلّب تحويل الصّمود العسكري إلى مكسب سياسي، وتحويل التّضحيات الهائلة إلى مشروع وطني جامع يمتلك رؤية واضحة لمستقبل الفلسطينيين.
كما أنّ الكيان الصهيوني، رغم احتفاظه بتفوّقه العسكري، سيجد نفسه أمام أسئلة استراتيجية عميقة حول جدوى الحروب الطّويلة، وحدود القوّة العسكرية، وكيفية التّعامل مع صراع أثبت مرّة أخرى أنّه لا يمكن إنهاؤه بالأدوات العسكرية وحدها.
إنّ ألف يوم على الحرب في غزّة تكشف حقيقة أساسيّة: لا غالب مطلقاً ولا مغلوب مطلقاً في الصّراعات الممتدّة، لكن هناك حقائق جديدة تتشكّل بهدوء تحت ركام الحرب، وأبرز هذه الحقائق أنّ القضية الفلسطينية استعادت مركزيتها، وأنّ المقاومة الفلسطينية، رغم الجراح والخسائر، ما زالت جزءاً أساسياً من معادلة الصّراع، وأنّ الشرق الأوسط يدخل مرحلة جديدة ستُبنى توازناتها المقبلة على الدّروس التي أنتجتها هذه الحرب الطويلة.
ولعلّ أهم ما يمكن استخلاصه من اليوم الألف هو أنّ الصّراع الفلسطيني الإسرائيلي لم يعد كما كان قبل الحرب، وأنّ السنوات المقبلة ستشهد صراعاً من نوع مختلف؛ صراعاً تتداخل فيه القوّة العسكرية مع الشّرعية السّياسية، والقدرة على الصمود مع القدرة على بناء رؤية للمستقبل؛ وفي هذا المشهد الجديد، لن يكون السؤال من ربح الحرب ومن خسرها، بل من استطاع أن يحوّل تضحياته وآلامه إلى معادلة سياسية جديدة قادرة على صناعة المستقبل يتفوق فيه الإيمان بالقضية والثبات على الحق مهما علا الظلم والطغيان..



لا يوجد تعليقات بعد! كن أول المعلّقين